أنتلجنسيا المغرب: فهد الباهي/م.إيطاليا
أعاد محمود عرشان، مؤسس حزب الحركة
الديمقراطية الاجتماعية، يوم الأربعاء 21 أكتوبر 2026، ملف سنوات الجمر والرصاص
إلى واجهة النقاش السياسي والحقوقي في المغرب، بعدما وصف منتقديه بـ«الطابور
الخامس» خلال جلسة مناقشة البرنامج الحكومي بمجلس المستشارين، ودعا إلى مواجهة
إعلامية مباشرة لكشف حقيقة الاتهامات الموجهة إليه، وهي تصريحات أعادت إلى الذاكرة
مرحلة مؤلمة من تاريخ البلاد يكره مناقشتها العباد، وطرحت أسئلة حول حدود الخطاب
السياسي حين يصطدم بذاكرة الضحايا وحق المجتمع في مناقشة ماضي الانتهاكات.
لم يكن الجدل مرتبطاً بتصريحات عرشان وحدها.
بل جاء امتداداً لانتقادات أثارها استقباله
من طرف فاطمة الزهراء المنصوري، رئيسة الحكومة المغربية عن حزب الأصالة والمعاصرة
المعينة وفق التغطيات المنشورة قبل أيام خلال مشاورات تشكيل الحكومة.
وفي تدوينات عدة على مواقع التواصل الإجتماعي
من بينهم منتسبون للمنتدى المغربي من أجل الحقيقة والإنصاف أن هذا الاستقبال يثير
مخاوف تتعلق بذاكرة الضحايا وبمسار العدالة الانتقالية وهو ما حال ذون جعله من بين
مكونات الأغلبية الحكومية حيث كان يطمح له أو لإبنه بحقيبة وزارية.
وتزداد حساسية القضية بالنظر إلى ما نشرته
وسائل إعلام مغربية عن اتهامات وجهها معتقلون سياسيون سابقون إلى محمود عرشان بشأن
التعذيب خلال فترة اشتغاله عميداً للشرطة في معتقل درب مولاي الشريف بالدار
البيضاء وأماكن أخرى، وهي اتهامات ينفي عرشان صحتها ويطالب بمواجهتها علناً، ومن
الضروري هنا التمييز بين شهادات واتهامات متداولة وبين إدانة قضائية نهائية، لأن
احترام حقوق الضحايا لا يتعارض مع قرينة البراءة، كما أن المطالبة بالإنصاف لا
تعني تحويل الاتهام الإعلامي إلى حكم قضائي.
إن جوهر الإشكال لا يكمن في حق محمود عرشان
في الدفاع عن نفسه أو في الرد على منتقديه، فهذا حق مكفول لكل شخص، وإنما في
الطريقة التي يُستحضر بها ملف شديد الحساسية داخل مؤسسة تشريعية يفترض أن تكون
فضاءً لمناقشة قضايا المواطنين والسياسات العمومية، فقد انعقدت جلسة مجلس
المستشارين يوم الأربعاء 21 أكتوبر 2026 لمناقشة البرنامج الحكومي، وكان المنتظر
أن ينصب النقاش على التزامات الحكومة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، غير أن
دخول ملفات الماضي الحقوقي إلى قلب الجلسة كشف كيف يمكن للتوتر الشخصي والسياسي أن
يزاحم الأولويات العامة ويعيد فتح جراح لم تلتئم بالكامل.
ولفهم عمق هذا الملف، لا بد من العودة إلى
السياق الذي تولى فيه الملك محمد السادس العرش سنة 1999 خلفاً لوالده الملك الحسن
الثاني، حين بدأت مرحلة جديدة من معالجة الانتهاكات التي شهدها المغرب بين 1956 و1999،
وقد أُعلن عن إحداث هيئة الإنصاف والمصالحة في 7 يناير 2004، بعد مسار سابق
للتسويات والتعويضات، وأسندت إلى الهيئة مهمة استجلاء الحقيقة بشأن الانتهاكات
الجسيمة لحقوق الإنسان، وجبر أضرار الضحايا، والبحث في مصير المختفين، وصياغة
توصيات تساهم في منع تكرار ما وقع، وهي محطة رسمية موثقة في سجلات المجلس الوطني
لحقوق الإنسان والخطاب الملكي الذي ألقاه محمد السادس بأكادير في يناير 2004.
وقد مثّل إدريس بنزكري، الرئيس السابق للهيئة
وأحد المعتقلين السياسيين السابقين، اسماً محورياً في هذا المسار، إذ سعت الهيئة
إلى اعتماد مقاربة للعدالة الانتقالية تجمع بين كشف الحقيقة والإنصاف والتعويض
وحفظ الذاكرة.
ولم
يكن الهدف المعلن مجرد إغلاق ملف إداري أو طي صفحة سياسية، بل الاعتراف بمعاناة
المتضررين وإعادة الاعتبار إليهم وإلى أسرهم، مع استخلاص دروس مؤسساتية وقانونية
تضمن ألا تتحول السلطة إلى مصدر لانتهاك الكرامة أو تقييد الحقوق الأساسية، وهو ما
يجعل استحضار الهيئة اليوم مسؤولية تتجاوز السجال بين الأشخاص والأحزاب.
وشملت توصيات هيئة الإنصاف والمصالحة جبر
الضرر الفردي والجماعي، والتأهيل الطبي والنفسي والاجتماعي للضحايا، واستكمال
التحريات بشأن حالات الاختفاء القسري، وحفظ الأرشيف والذاكرة الوطنية، إلى جانب
إصلاحات دستورية وقانونية ومؤسساتية وتعزيز استقلال القضاء وضمانات عدم التكرار،
وقد نُشر التقرير الختامي للهيئة سنة 2006 وكُلّف المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان،
الذي أصبح لاحقاً المجلس الوطني لحقوق الإنسان، بمتابعة تنفيذ التوصيات، لكن
استمرار بعض المطالب الحقوقية بشأن الحقيقة والمساءلة يبيّن أن المصالحة ليست مجرد
إعلان سياسي، بل مسار يحتاج إلى متابعة مستمرة وثقة متبادلة بين المؤسسات والمجتمع.
ومن هنا، فإن وصف منتقدين حقوقيين بـ«الطابور
الخامس» يطرح سؤالاً أساسياً حول طبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمع المدني،
فالحقوقيون الذين يتابعون ملفات الانتهاكات لا ينبغي أن يُعاملوا تلقائياً
باعتبارهم خصوماً للوطن، كما أن الانتقادات الموجهة إلى شخصيات عامة يجب أن تُناقش
بالحجة والوثائق والقانون، لا بالتخوين أو التعميم، وفي المقابل لا يجوز أن تتحول
الذاكرة الحقوقية إلى أداة لتصفية الحسابات أو إصدار أحكام مسبقة، لأن المعيار
العادل واحد للجميع، وهو احترام الحقيقة وحق الدفاع واستقلال القضاء وكرامة
الضحايا.
أما مجلس المستشارين، باعتباره إحدى مؤسسات
البرلمان المغربي، فليس فضاءً لتصفية الخلافات الشخصية أو تحويل جلسات مناقشة
البرنامج الحكومي إلى منابر لتبادل العتاب السياسي.
بل مؤسسة يفترض أن تراقب العمل الحكومي
وتناقش السياسات العامة وتدافع عن مصالح المواطنين، ولذلك فإن أي مداخلة برلمانية،
مهما كان صاحبها أو موقعه الحزبي، تظل خاضعة للمساءلة السياسية والأخلاقية أمام
الرأي العام، ويصبح النقاش أكثر جدوى عندما ينصب على قضايا التشغيل والصحة
والتعليم والقدرة الشرائية والحقوق والحريات، بدلاً من أن تطغى الخصومات الشخصية
على جوهر الوظيفة التمثيلية.
وفي ما يتعلق بطلب محمود عرشان إجراء مواجهة
تلفزيونية مباشرة مع منتقديه، فإن المناظرات الإعلامية قد تتيح عرض الروايات
المختلفة وتوضيح المواقف.
لكنها لا يمكن أن تحل محل التحقيق القضائي أو
البحث المستقل في الوقائع، ولا أن تكون بديلاً عن الاستماع المنصف إلى الضحايا
والشهود وفحص الأدلة، فإذا كان عرشان يؤكد براءته، فمن حقه عرض روايته والدفاع عن
نفسه، وإذا كانت لدى الضحايا أو الجمعيات الحقوقية شهادات ووثائق، فمن حقها
المطالبة بفحصها عبر الآليات القانونية المناسبة، لأن الحقيقة لا تُحسم بعلو الصوت
ولا بعدد المتابعين، بل بقوة الأدلة واحترام المساطر وضمانات المحاكمة العادلة.
وتكشف هذه الواقعة أيضاً أن المصالحة الوطنية
لا تعني مطالبة الضحايا بالصمت أو اعتبار مرور السنوات كافياً لإنهاء الأسئلة، كما
لا تعني إلغاء قرينة البراءة أو فتح الباب أمام اتهامات بلا إثبات، فالمصالحة
الحقيقية تقوم على التوازن بين حق المجتمع في معرفة الحقيقة وحق الأفراد في الدفاع
عن أنفسهم، وبين حفظ الاستقرار وضمان عدم الإفلات من المساءلة وفق القانون، كما
تقتضي استمرار تنفيذ توصيات هيئة الإنصاف والمصالحة، وتوثيق الذاكرة، والاهتمام
بأسر المختفين، وتعزيز استقلال المؤسسات التي يفترض أن تحمي الحقوق والحريات.
فإن ما حدث يوم الأربعاء 21 أكتوبر 2026 داخل
مجلس المستشارين يعيد التذكير بأن ملف سنوات الرصاص لم يصبح مجرد صفحة تاريخية
منتهية لمجرد إنشاء هيئة الإنصاف والمصالحة أو صدور تقريرها الختامي.
فالمصالحة التي أُطلقت في عهد الملك محمد
السادس تحتاج إلى حماية معناها من الاستعمال السياسي الضيق، وإلى احترام الضحايا
من دون إدانة أشخاص خارج القضاء، وإلى مؤسسات تضع الحقيقة والإنصاف وسيادة القانون
فوق الاعتبارات الحزبية والشخصية، أما الاختبار الحقيقي لأي خطاب سياسي بشأن هذا
الماضي، فيبقى في مدى التزامه بحقوق الإنسان وكرامة المواطنين، لا في قدرته على
تحويل الجدل إلى معركة بين المتهمين ومن يتهمونهم.
قبل أن يقع المحضور كان على العميد السابق محمود
عرشان والمتهم بالجلاد من قبل الحقوقيين/ات، أن يناقش ملفاته الشخصية مع بنت
الباشا فاطمة الزهراء المنصوري بنت سبعة رجال في أماكن خاصة وشخصية أو مقرات حزبية
لا في عقر دار مؤسسة تشريعة تسن القوانين وتناقش مشاكل المواطنين المغاربة .
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك