بقلم:عبد الفتاح الحيداوي
غدا الاربعاء 23 شتنبر 2026، يتوجه المغاربة إلى صناديق الاقتراع لاختيار أعضاء مجلس النواب في انتخابات تأتي في سياق سياسي مختلف عن ذلك الذي عرفته البلاد قبل خمس سنوات. وبينما تتنافس 27 هيئة حزبية وائتلافا على 395 مقعدا، تبدو معركة حزب العدالة والتنمية بقيادة عبد الإله بنكيران محكومة بسؤال يتجاوز مجرد عدد المقاعد التي سيحصل عليها: هل يستطيع الحزب أن يثبت أن ما حدث له في انتخابات 2021 كان انتكاسة انتخابية قابلة للتجاوز، وليس تحولا نهائيا في موقعه داخل الخريطة السياسية؟
يصعب فصل انتخابات 2026 بالنسبة إلى العدالة والتنمية عن الصدمة التي تلقاها الحزب في انتخابات 8 شتنبر 2021. فقد انتقل من 125 مقعدا في انتخابات 2016 إلى 13 مقعدا فقط في 2021، ليحتل المرتبة الثامنة، وينتقل في ظرف انتخابي واحد من قيادة الحكومة إلى موقع المعارضة البرلمانية المحدودة التمثيل. وتظهر المعطيات الرسمية لمجلس النواب أن المجموعة النيابية للحزب دخلت الولاية التشريعية بـ13 نائبا فقط.
لهذا تبدو انتخابات الغد بالنسبة إلى بنكيران والحزب أشبه باختبار سياسي لاستعادة الثقة قبل أن تكون مجرد سباق على المقاعد. فالعودة إلى قيادة الحزب لم تكن منفصلة عن محاولة إعادة بناء صورته بعد صدمة 2021، كما أن الحملة الانتخابية الحالية أظهرت أن الحزب لا يخفي طموحه في تصدر النتائج. وقد أعلن إدريس الأزمي الإدريسي، النائب الأول للأمين العام، أن الحزب يطمح إلى تصدر الانتخابات، في حين تحدث بنكيران نفسه عن المنافسة على الصدارة.
لكن المشكلة تبدأ من هنا: الرغبة السياسية في العودة شيء، والقدرة الانتخابية على تحقيقها شيء آخر.
فالعدالة والتنمية يدخل انتخابات 2026 من قاعدة منخفضة للغاية مقارنة بما كان عليه قبل خمس سنوات. وهذا يمنحه، هامشا واسعا لتحسين نتيجته دون أن يعني ذلك بالضرورة استعادة موقعه السابق. فالانتقال من 13 مقعدا إلى نتيجة أكبر بكثير سيكون في حد ذاته تحسنا انتخابيا، لكنه لا يساوي تلقائيا العودة إلى قيادة الحكومة أو استعادة الوزن الذي كان للحزب خلال مرحلتي 2011 و2016.
وتزداد صعوبة قراءة المشهد بسبب غياب استطلاعات حديثة يمكن التعامل معها باعتبارها مقياسا علميا لنوايا التصويت. فالمادة 115 من القانون رقم 57.11 تمنع إجراء استطلاعات الرأي المرتبطة مباشرة أو غير مباشرة بالانتخابات خلال الفترة المحددة قانونا، كما تمنع نشر نتائجها أو التعليق عليها خلال الفترة نفسها. لذلك ينبغي التعامل بحذر مع الأرقام المتداولة في بعض التقارير والمقالات، خصوصا عندما تقدم على أنها توقعات دقيقة للنتائج.
ومع ذلك، ظهرت خلال الفترة السابقة على الاقتراع بعض الدراسات والتحليلات التي حاولت استشراف موقع الأحزاب في انتخابات 2026. إحدى هذه التقديرات تحدثت عن إمكانية حصول العدالة والتنمية على ما بين 40 و50 مقعدا، بينما ذهبت ورقة تحليلية أخرى إلى تقدير مماثل تقريبا، مع التأكيد أن غياب استطلاعات الرأي يجعل مثل هذه الأرقام تقديرات تحليلية وليست نتائج استطلاع انتخابي.
وهنا تكمن أهمية التمييز بين أمرين كثيرا ما يختلطان في النقاش الانتخابي: عودة الحزب، وعودة الحزب إلى السلطة. فقد يستطيع العدالة والتنمية أن يحقق قفزة كبيرة مقارنة بـ2021 دون أن يكون الحزب الاول في مجلس النواب. وقد يستطيع، في سيناريو آخر، أن يحتل موقعا متقدما دون أن تكون لديه القدرة العددية والسياسية على تشكيل الحكومة بمفرده. فمجلس النواب يضم 395 مقعدا، وهو ما يجعل الوصول إلى أغلبية مطلقة أمرا مختلفا تماما عن مجرد تصدر النتائج.
كما أن طبيعة النظام الحزبي المغربي تجعل نتيجة الانتخابات لا تتحدد فقط بالحزب الذي يحتل المرتبة الأولى، بل أيضا بالخريطة التي تنتجها الصناديق وبالتحالفات التي يمكن أن تتشكل بعدها. ولذلك فإن السؤال الذي سيطرح نفسه مساء غد لن يكون فقط: من جاء أولا؟ بل أيضا: ما حجم الفارق بين المتنافسين؟ وما هي الأحزاب التي ستخرج بكتلة برلمانية مؤثرة؟ وكيف ستتوزع إمكانات التحالف؟
ومن هذه الزاوية، فإن معركة العدالة والتنمية لا تجري في فراغ. فالتجمع الوطني للأحرار والأصالة والمعاصرة والاستقلال تدخل الانتخابات وهي تدافع بدورها عن مواقعها وعن حصيلتها السياسية خلال الولاية السابقة، بينما تحاول أحزاب أخرى توسيع حضورها داخل البرلمان. وتظهر تركيبة مجلس النواب خلال الولاية 2021-2026 حجم التنافس بين القوى الرئيسية، إذ كان التجمع الوطني للأحرار ممثلا بـ102 مقعد، والأصالة والمعاصرة بـ87، والاستقلال بـ81، مقابل 13 فقط للعدالة والتنمية.
لكن هناك عاملا آخر قد يكون أكثر أهمية من الحسابات الحزبية نفسها: المشاركة.
فالانتخابات لا تجري فقط بين الأحزاب التي تنزل إلى الميدان، وإنما أيضا أمام ناخبين قد يختار بعضهم التصويت، وقد يختار آخرون العزوف. وفي هذا السياق، برزت مسألة الشباب والثقة في المؤسسات السياسية باعتبارها من القضايا المركزية في الحملة. وقد أشارت تقارير حديثة إلى صعوبة جذب الناخبين الشباب، في ظل استمرار البطالة المرتفعة بينهم وشعور قطاعات منهم بالابتعاد عن الحياة السياسية.
وهذا العامل قد يكون مهما بالنسبة إلى العدالة والتنمية تحديدا، لأن الحزب لا يحتاج فقط إلى استعادة الأصوات التي فقدها، بل يحتاج أيضا إلى معرفة ما إذا كان قادرا على تحويل حضوره التنظيمي والميداني إلى أصوات فعلية يوم الاقتراع. فالآلة التنظيمية وحدها لا تكفي إذا لم تتحول إلى مشاركة انتخابية، كما أن الحضور القوي في بعض المدن لا يعني بالضرورة امتلاك تغطية انتخابية متساوية في جميع المجالات.
ولذلك تبدو انتخابات 23 شتنبر بالنسبة إلى العدالة والتنمية اختبارا مزدوجا. الاختبار الاول هو اختبار انتخابي مباشر: كم مقعدا سيحصل عليه الحزب مقارنة بالـ13 مقعدا التي حصل عليها في 2021؟ والاختبار الثاني سياسي وتنظيمي: هل تمكن بنكيران من إعادة الحزب إلى دائرة المنافسة الوطنية بعد سنوات من الانكماش؟
وحتى الآن، من الصعب إعطاء جواب قاطع عن السؤال الثاني قبل ظهور النتائج. فالحملة الانتخابية يمكن أن تكشف عن حيوية تنظيمية، والخطاب السياسي يمكن أن يعيد تعبئة جزء من القاعدة، لكن صندوق الاقتراع وحده سيكشف حجم هذه العودة.
والمفارقة أن العدالة والتنمية يدخل هذه الانتخابات وهو في وضع مختلف تماما عن وضعه في 2016. آنذاك كان السؤال هو هل يستطيع الحزب الحفاظ على صدارته بعد تجربة حكومية طويلة؟ أما اليوم فالسؤال هو هل يستطيع أولا أن يعود إلى مستوى المنافسة؟ وهذا فارق سياسي كبير.
كما أن بنكيران نفسه لم يعد يخوض المعركة بالرصيد الانتخابي الذي كان لديه في نهاية 2016. لقد أصبح مطالبا بإقناع الناخب بأن الحزب قادر على استعادة مكانته بعد الهزيمة القاسية، وبأن العودة إلى القيادة السياسية ليست مجرد حنين إلى مرحلة سابقة. ولهذا فإن نتيجة الغد ستكون، في جانب منها، تقييما لمسار إعادة بناء الحزب منذ 2021، وليس فقط نتيجة ليوم انتخابي واحد.
وفي المقابل، فإن أي تحسن كبير في نتيجة العدالة والتنمية لن يعني تلقائيا أن الناخبين أعادوا إنتاج خريطة 2016. فالسياسة المغربية تغيرت، والأحزاب المنافسة تغيرت، وقضايا الناخب تغيرت، كما أن العلاقة بين المواطن والحزب أصبحت أكثر تعقيدا. لذلك فإن المقارنة بين 2016 و2026 لا ينبغي أن تكون فقط في عدد المقاعد، بل في طبيعة البيئة السياسية التي أنتجت تلك المقاعد.
ولهذا ربما يكون السؤال الحقيقي في انتخابات الغد أقل ارتباطا بما إذا كان بنكيران سيعود أم لا، وأكثر ارتباطا بشكل العودة نفسها. هل ستكون عودة حزب إلى حجمه السابق؟ أم مجرد استعادة لموقع برلماني معتبر؟ وهل ستسمح النتائج للحزب بأن يتحول من قوة معارضة محدودة إلى قوة تفاوضية داخل البرلمان؟ أم أن الانتخابات ستؤكد أن مرحلة ما قبل 2021 أصبحت جزءا من تاريخ الحزب أكثر منها نموذجا قابلا للاستعادة؟
لا توجد، عشية الاقتراع، معطيات علمية منشورة تسمح بالحسم في هذه الأسئلة. وما يتداول من تقديرات حول عشرات المقاعد يجب أن يبقى في إطار التحليل والسيناريو، لا في إطار النتيجة المتوقعة. وحتى التقديرات التي تتحدث عن 40 أو 50 مقعدا لا تقول شيئا عن الصدارة ما لم نعرف أولا نتائج بقية الأحزاب.
غدا، ستنتهي لغة التوقعات وتبدأ لغة الأرقام. عندها لن يكون السؤال فقط: كم حصل العدالة والتنمية؟ بل ماذا تعني هذه النتيجة داخل الخريطة الجديدة؟ هل أنهى الحزب مرحلة الانكماش التي بدأت في 2021، أم أن ما جرى خلال الحملة لم يكن كافيا لتغيير موقعه؟ وهل تحولت عودة بنكيران إلى عودة انتخابية للحزب، أم بقيت عودة سياسية وتنظيمية أكثر منها انتخابية؟
لهذا تبدو انتخابات 23 شتنبر بالنسبة إلى العدالة والتنمية معركة استعادة أكثر من كونها معركة عادية على المقاعد. أما حجم هذه الاستعادة وحدودها، فسيحددهما الناخبون، لا الخطاب الانتخابي ولا التقديرات التي سبقت الاقتراع.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك