«Cours, camarades, le vieux monde est derrière vous !» : رهان الهروب إلى الأمام والتطلع الى المستقبل في ثورة ماي 1968

«Cours, camarades, le vieux monde est derrière vous !» : رهان الهروب إلى الأمام والتطلع الى المستقبل  في ثورة ماي 1968
أقلام حرة / الأحد 20 شتنبر 2026 / لا توجد تعليقات:

بقلم : د . محمد أحدو

لم تكن أحداث مايو 1968 في فرنسا مجرد حدث،سياسي عابرة أو احتجاج عمالي وطلابي تقليدي، بل كانت حراكا ثقافياً وفلسفياً هز أركان المجتمع الفرنسي من جذوره. وقد وجد هذا الحراك تعبيره الأكثر إبداعاً وعفوية على جدران جامعة السوربون وشوارع باريس، حيث تحولت الكتابات الحائطية إلى مرآة عاكسة لروح العصر. ومن بين تلك الشعارات التي كانت اكثر انتشارا ، يبرز الشعار الاستثنائي والمحفور في ذاكرة  هذا الحدث التاريخي :

 «Cours, camarades, le vieux monde est derrière vous

(أيها الرفاق، اركضوا ،  العالم القديم خلفكم!)

ليكون بمثابة بيان فلسفي مصغر يختزل ببراعة  حلم  جيل الشباب من الطلبة وموقفه من الموروث الثقافي والاجتماعي والسياسي  بأسره.

​إن  هذا الرفض الجذري لما سماه الشعار بـ «العالم القديم» لم يكن نزوة عابرة، بل كان استهدافاً دقيقاً لكل البنى التي أطرت حياة الفرنسيين حينها  وأثقلت كواهلهم آنذاك؛ فقد جاء ثورة على الجمود المؤسساتي والأكاديمي حيث مثلت البيروقراطية الرتيبة في الإدارة وقاعات الدرس الجامعية التقليدية سلطة أبوية متصلبة تقمع الفكر الحر وتتعامل مع المعرفة باعتبارها تلقيناً لا إبداعاً، فضلاً عن ثورته على القيود الأخلاقية البرجوازية التي اتسمت بالمحافظة المفرطة واستهدفت تدجين الحريات الفردية والسيطرة على العقول بافكار  منغلقة كما نظر إليها . وإلى جانب ذلك، سقطت السياسات التقليدية الحزبية والنقابية في فخ البيروقراطية المتحجرة  التي عمها الفساد واحتكار المشهد العام ، وبدت في نظر  الطلاب عاجزة عن مواكبة تحولات العصر ومحكومة بنخب مستهلكة تآكلت شرعيتها السياسية والمجتمعية  ، لتشكل هذه العناصر كتلة صلبة رأى فيها الشباب رموزا لعالم قديم  يجب الركض لتجاوزه للنظر الى المستقبل .


​وما يمنح هذا الشعار فرادته الفلسفية هو استخدامه الذكي  لفعل الحركة ومفارقتها؛ ففي حين كانت الحركات الثورية الكلاسيكية تعتمد على الثبات أو الاعتصام أو المواجهة المباشرة، جاءت هذه الدعوة لتشكل «الهروب إلى الأمام» نحو المستقبل ورفض التوقف في مستنقع الآراء البائدة والرموز المستهلكة والبنى الثقافية والاجتماعية والسياسية التي أصبحت تشكل عبئا على المجتمع وتطوره . والمفارقة الساخرة والعميقة في آنٍ واحد هي أن المطارد ليس عدواً يتقدم نحوهم، بل هو «العالم القديم» الذي يحاول ملاحقة خطواتهم من الخلف والإمساك بتلابيب الحاضر، في محاولة مستميتة للنجاة بالروح والعقل والحرية  من ماضٍ يرفض أن يموت.

​من هنا، يمثل هذا الشعار إعلاناً رمزياً قاطعاً بأن الزمان قد تجاوز تلك الهياكل البالية، وأن الجيل الجديد من الشباب والطلاب  قد قطع حبل السرة مع شخوص هذا   الماضٍي الذي  لم يعد مجديا إعادة تدوير رموزه وبنياته وهياكه .  ليؤكد الشعار أن السبيل الوحيد لخلق عالم جديد هو قطع الصلة التامة بقواعد اللعبة القديمة، وتأسيس شرعية وجودية جديدة قوامها الخيال، والحرية الفردية، وفسح المجال لبروز نخب جديدة،  والحق في إعادة صياغة الحياة من شتى جوانبها. وهكذا يظل هذا الأثر الحائطي  «Cours, camarades, le vieux monde est derrière vous !» وثيقة إنسانية وثورية هادئة بلا صخب و لا ضجيج ، تذكر بأن التغيير الحقيقي يبدأ دائماً بتحرير العقول من أسر المألوف والسائد ، وبأن قطار التاريخ لا يمكن أن يمضي قدماً طالما ظل محكوماً بنيات  الماضي  و إعادة  تدوير  شخصياته ورموزه  .

 

 

لا توجد تعليقات:

للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.

أضف تعليقك