بقلم:سعيد يقطين
كنت أختزل الصراع العربي الإسرائيلي في ثنائية الأمن الإسرائيلي، الذي تتدثر به إسرائيل في مواجهة القضية الفلسطينية، والسلام الذي يطالب به العرب لحل القضية نهائيا، لكن إسرائيل كانت ترى، وما زالت تؤكد عبر تاريخها الاستيطاني إلى اليوم أن لا سلام من دون أمن إسرائيل، وهي بذلك تعني أن الحرب هي التي تحسم قرار السلام، الذي يجب فرضه على الفلسطينيين والعرب جميعا، لجعل الأمن الإسرائيلي بديلا عن أي سلام. يبدو لنا ذلك بجلاء في ممارسة إسرائيل، بدعم من الغرب عموما، وأمريكا خصوصا، على إذابة القضية الفلسطينية والعمل على إنهاء مطالبها، عبر توسيع المستوطنات في الضفة، ومحاصرة غزة وتجويعها، من جهة أولى، ومطالبة الدول العربية بالتطبيع مع إسرائيل، عبر الاتفاقية الإبراهيمية التي اعتمدتها أمريكا الترامبية، وروجت لها بقوة بين العرب، من جهة ثانية. وبتحقيق الغايتين: إذابة القضية الفلسطينية عبر التنكر التام والنهائي لمقولة «حل الدولتين»، وبتطبيع العرب مع إسرائيل، لم يبق لإسرائيل لضمان أمنها المطلق، سوى تشكيل شرق أوسط جديد، يتم من خلاله تحقيق الغاية الثالثة: إسرائيل الكبرى.
كان وراء العمل الدؤوب، الذي سعت إسرائيل إلى تحقيقه الانطلاق من أسطورة أرض الميعاد، أولا، والإعداد لذلك بتطوير ترسانتها العسكرية، والاستخباراتية، والإعلامية ثانيا. ومن خلال ذاك القول الأسطوري، وهذا الفعل العسكري تأتي المعادلة الصهيونية ملخصة في كلمة: لا مكان للسلام مع العرب، فالحرب هي التي تحقق الأمن الإسرائيلي.
وكانت أمريكا والغرب المظلة التي تعطيها صلاحيات مطلقة لتنفيذ مشروعها «الأمني»، ضد أي سلام يحقق للفلسطينيين وطنا، أو يقلل من غلواء بسط الهيمنة في المنطقة، وتهديد الأمن والاستقرار فيها. وبدأت صفارة قطار التطبيع تعلن بداية الرحلة نحو محطة «إسرائيل الكبرى» ذات اللاحدود الآمنة في كل الشرق الأوسط وشمال افريقيا، والدول الإسلامية بالقوة والإكراه والابتزاز. وجاء طوفان الأقصى ليدق مسمارا في عجلة القطار، فكان الذريعة التي فتحت نيران الحرب التي لا تحلم إسرائيل إلا بها لتحقيق غاياتها كلها. وكان ما كان مما غير الأوهام، وجعل الرياح تمشي بما لا تشتهيه السفينة الإسرائيلية، فتعطل القطار، وانقلب السحر على الساحر، وبدت إسرائيل أمام العالم جميعا، ولأول مرة في تاريخ طويل، وعلى رأسه الغرب الاستعماري الذي أنشأها، وأمريكا التي وطأت لها الأرض، وهي تروج للشرق الأوسط الجديد، على حقيقتها، دولة عنصرية، ومستوطنين يشتركون معها في ممارسة التوسع، والإبادة الجماعية، وانتهاك حقوق الإنسان. دولة لا تعترف بالمواثيق الأممية، وأنها باسم «أمنها» تهدد ليس فقط منطقة الشرق الأوسط، بل الأمن والسلام العالميين. وجاء اتفاق إيران وأمريكا يوم 14 يونيو/ حزيران 2026، لا ليضع نقطة نهائية لمقولة الأمن الإسرائيلي، والسلام العربي، ولكن ليخط نقطة فاصلة تفتح مسارا مختلفا، ولم لا نقول جديدا أمام العجرفة الصهيونية وأذيالها وعملائها.
لم تكن قراءاتي ومتابعاتي لطوفان الأقصى تنبع من خلفية قومية أو دينية، كانت تنطلق من مقاربة تاريخية إنسانية تتحدد من خلال العلاقات بين الإنسان والإنسان. رأيت طوفان الأقصى حدثا كبيرا في تاريخ الصراع الفلسطيني الإسرائيلي عكس ما رآه البعض، وأن الأحداث الكبرى في تواريخ الشعوب لا يمكنها إلا أن تعيد الحقوق إلى أصحابها مهما كانت الظروف والإكراهات، وتاريخ الاستعمار دليل على ذلك. إن العنف المادي، واللفظي الذي يستقوي بالأساطير والأكاذيب مآله الزوال، فتتعرى الأساطير، وتبطل الأكاذيب. ومهما كان غربال الكذب سميكا ينفذ منه شعاع الصدق، وإن طال أمد الغيوم.
يلخص بعض المحللين الإسرائيليين ما وقع مع طوفان الأقصى بأنه اهتزاز في منظومة كاملة ظلت تقوم في إسرائيل على أساس الردع، والإنذار، والحسم، أو بمعنى آخر أن تلك المنظومة كانت تفترض أن القوة تردع، وأن المعلومة تنذر، وأن الجيش يستطيع نقل الحرب بسرعة إلى أرض الخصم، ومن ثمة
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك