حين يُسرق الصيف من الأطفال..وكيف يصنع الفقر جيلاً غاضبًا ويهدد مستقبل الوطن؟

حين يُسرق الصيف من الأطفال..وكيف يصنع الفقر جيلاً غاضبًا ويهدد مستقبل الوطن؟
أقلام حرة / الخميس 06 غشت 2026 / لا توجد تعليقات:

أنتلجنسيا المغرب: فهد الباهي/م.إيطاليا

لم يعد الصيف بالنسبة إلى آلاف الأطفال المغاربة موسمًا للفرح واللعب واكتشاف العالم، بل تحول إلى فصل يكشف بوضوح حجم الفوارق الاجتماعية التي تتسع عامًا بعد آخر. ففي الوقت الذي تستعد فيه أسر ميسورة للسفر والاصطياف وقضاء العطل داخل المغرب وخارجه، يجد أطفال كثيرون أنفسهم محاصرين داخل أحياء فقيرة أو قرى معزولة، لا يملكون سوى مشاهدة حياة لا يستطيعون الوصول إليها.

والطفل، بطبيعته، لا يفهم لغة المؤشرات الاقتصادية ولا الحسابات السياسية، لكنه يدرك جيدًا أنه محروم مما يراه متاحًا لغيره.

الفقر لا يحرم الطفل من البحر أو من رحلة صيفية فقط، بل قد يحرمه من الإحساس بالمساواة والانتماء.

وحين يشعر الطفل، منذ سنواته الأولى، بأنه يعيش خارج دائرة الاهتمام، تتكون داخله مشاعر قد تتحول مع الزمن إلى إحباط أو غضب أو فقدان للثقة في المجتمع. وهذا لا يعني أن الفقر يقود حتمًا إلى الجريمة، لكنه قد يزيد من قابلية بعض الأفراد للوقوع في مسارات سلبية إذا اجتمعت معه عوامل أخرى مثل التهميش وضعف التعليم وغياب الفرص.

المجتمعات لا تُقاس فقط بما تبنيه من طرق وجسور ومشاريع كبرى، بل أيضًا بما تمنحه لأطفالها من أمل. فالاستثمار الحقيقي ليس في الإسمنت وحده، وإنما في الإنسان، لأن الطفل الذي يكبر وهو يشعر بأنه جزء من وطنه سيكون أكثر استعدادًا لحمايته وخدمته، أما الطفل الذي يكبر وهو يشعر بالإقصاء فقد يفقد ثقته في المؤسسات وفي المجتمع من حوله.

لقد أصبح من الواضح أن اتساع الفوارق الاجتماعية يثير نقاشًا واسعًا حول طبيعة النموذج التنموي وحدود قدرته على تحقيق العدالة الاجتماعية. وبينما تؤكد الدولة أنها أطلقت برامج متعددة للحماية الاجتماعية والدعم المباشر وتوسيع التغطية الصحية، يرى منتقدون أن آثار هذه البرامج لم تصل بالقدر الكافي إلى جميع الفئات، وأن فئات واسعة ما تزال تعيش أوضاعًا صعبة، خاصة في العالم القروي والأحياء الهامشية.

ويلاحظ كثير من الباحثين أن المجتمع المغربي يشهد تحولات اقتصادية واجتماعية عميقة، أدت إلى اتساع الهوة بين من يملكون فرصًا أكبر للاستفادة من النمو الاقتصادي، ومن يواجهون صعوبات في تحسين أوضاعهم. هذا الواقع يغذي الشعور بعدم المساواة لدى بعض الفئات، ويجعل قضية العدالة الاجتماعية من أبرز التحديات المطروحة في النقاش العمومي.

كما أن منطق الربحية أصبح حاضرًا بقوة في العديد من القطاعات، وهو أمر يرتبط بتحولات اقتصادية تعرفها دول كثيرة، غير أن هذا المنطق يطرح سؤالًا جوهريًا: كيف يمكن تحقيق التوازن بين تشجيع الاستثمار وتحقيق الأرباح من جهة، والحفاظ على التضامن الاجتماعي وضمان ولوج الجميع إلى الخدمات الأساسية من جهة أخرى؟ فالتنمية لا تُقاس بحجم الأرباح فقط، وإنما أيضًا بمدى انعكاسها على جودة حياة المواطنين.

والأخطر من كل ذلك هو أن المجتمع قد يبدأ تدريجيًا في فقدان طبقته الوسطى، وهي الطبقة التي ينظر إليها اقتصاديًا واجتماعيًا باعتبارها عنصر التوازن والاستقرار. فكلما اتسعت الفجوة بين الأغنياء والفقراء، ازدادت التحديات المرتبطة بالتماسك الاجتماعي، وأصبح من الضروري البحث عن سياسات تقلص الفوارق وتوسع فرص الترقي الاجتماعي.

لكن مستقبل الأوطان لا يُبنى بالسياسات الاقتصادية وحدها، وإنما يبدأ من المدرسة. فالتعليم ليس قطاعًا عاديًا، بل هو المشروع الوطني الأكبر. المدرسة هي المكان الذي يتعلم فيه الطفل التفكير، واحترام القانون، والانتماء، والعمل الجماعي، وقبول الاختلاف، والإيمان بأن الجهد هو الطريق إلى النجاح. وكل إصلاح لا يضع التعليم في صدارة الأولويات يبقى إصلاحًا ناقصًا.

إن حب الوطن لا يُبنى بالشعارات وحدها، ولا يقتصر على ترديد النشيد الوطني أو الاعتزاز بالرموز الوطنية، بل يتأسس أيضًا على شعور المواطن بأن له مكانًا وفرصة وكرامة داخل وطنه. فالعلاقة بين الدولة والمواطن هي علاقة حقوق وواجبات، وكلما شعر الفرد بالإنصاف والعدالة، ازداد ارتباطه بوطنه واستعداده للمساهمة في بنائه والدفاع عنه.

ومن هنا، فإن الاستثمار في التعليم هو استثمار في الأمن والاستقرار والتنمية. فالأمم التي راهنت على المدرسة استطاعت أن تبني مواطنًا يفكر قبل أن ينفعل، وينتج قبل أن يستهلك، ويؤمن بالحوار قبل الصدام. أما إضعاف المدرسة أو تراجع جودة التعليم، فإنه ينعكس على مختلف مناحي الحياة، من الاقتصاد إلى الثقافة، ومن السلوك المدني إلى الإنتاج العلمي.

ولا يمكن إعداد أجيال قادرة على مواجهة تحديات المستقبل إذا لم تتوفر لها مدرسة قوية، ومعلم مؤهل، ومناهج تنمي التفكير النقدي وروح المبادرة. فالوطن يحتاج إلى عقول مبدعة بقدر حاجته إلى البنية التحتية، لأن التنمية المستدامة تبدأ من الإنسان قبل الحجر.

إن حماية الأطفال من الفقر ليست مسؤولية الأسرة وحدها، بل هي مسؤولية جماعية تشترك فيها الدولة، والمؤسسات، والقطاع الخاص، والمجتمع المدني. وكل سياسة تستثمر في الطفولة والتعليم والترفيه والثقافة هي في الحقيقة استثمار في مستقبل الوطن، لأنها تزرع الثقة بدل الإحباط، والأمل بدل اليأس.

فإن قوة الدول لا تُقاس فقط بما تمتلكه من موارد أو مشاريع، بل بما تنجح في بنائه داخل الإنسان. فالوطن الذي يريد مستقبلًا آمنًا ومزدهرًا يحتاج إلى مواطن واعٍ، متعلم، يشعر بالكرامة والانتماء، ويؤمن بأن له مكانًا في هذا الوطن. والتعليم، قبل أي شيء آخر، هو الأساس الذي تُبنى عليه هذه الرؤية، وهو الجسر الذي يعبر بالمجتمعات من الفقر والتهميش إلى التنمية والازدهار.

لا توجد تعليقات:

للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.

أضف تعليقك