بقلم : د . محمد أحدو
في
الوقت الذي تشتد فيه الحملة الانتخابية قبل أوانها بالمغرب، وسط حماوة خرجات بعض
القادة والزعماء السياسيين للأحزاب المتنافسة، احتد النقاش بحدة في البرلمان
الإسباني أمس حول تداعيات أحداث سبتة. فقد استغلت الطبقة السياسية في إسبانيا -
التي تقترب بدورها من موعد استحقاقاتها الانتخابية - هذا الملف للهجوم على المغرب
والمزايدة على حقوقه التاريخية، متجاوزة كل الأعراف الدبلوماسية لتأليب الرأي
العام الإسباني.
وقد رافق ذلك
سعار إعلامي متصاعد عبر القنوات التلفزية والصحف منذ ازيد من شهر بعد حادث سبتة ،
والذي بلغ ذروته إثر خروج أصوات رسمية مغربية لوزيرين مغربيين تؤكد
بوضوح احتلال إسبانيا لسبتة ومليلية والجزر المغربية ورغبة المغرب في
استرجاعهما بالتفاوض حول مستقبلهما مع
اسبانيا.
أمام
هذا التجنيد الممنهج من طرف الأحزاب الإسبانية وقنواتها الإعلامية لتأجيج الرأي
العام ضد المملكة، بات لزاماً على الأحزاب السياسية المغربية، ضمن خطاباتها
وبرامجها الانتخابية، إدراج قضية تحرير ما تبقى من الثغور المحتلة في صلب
اهتماماتها.
إن هذا الظرف
يستدعي تأكيداً صارخاً وواضحاً على عدالة القضية الوطنية واسترجاع الأراضي
المغربية المغتصبة، بغية تعبئة الرأي العام الوطني وتوحيد الجبهة الداخلية للدفاع
والتمسك بالحقوق التاريخية المشروعة، على غرار ما تفعله النظيرة الإسبانية في حشد
الشارع للدفاع عن أطروحاتها ومحاولاتها الزج بالاتحاد الأوروبي في الموضوع .
هذا
فطالما شكل حسن الجوار مبدأً ناظماً للعلاقات المغربية الإسبانية، غير أن هذا
المبدأ لا يمكن أن يترجم وفق منظور أحادي يجعل من المغرب مجرد حارس حدودي لأراضٍ
يعتبرها المغرب امتداداً تاريخياً
وجغرافياً له ، بينما تتمسك بها مدريد
بسيادتها.
إن
الانتظارات الإسبانية الضمنية من المغرب غالباً ما تصطدم بالوعي الوطني المتنامي
برفض أدوار الوصاية الأمنية البحتة، حيث لم يعد مقبولاً اختزال الشراكة الثنائية
في معالجة تدفقات الهجرة وضبط الحدود دون مقاربة سياسية شجاعة تعالج أصل النزاع.
وما
يضاعف من المفارقة السياسية هو التناقض الصارخ الذي تطبع به الدبلوماسية الإسبانية
والأوروبية مواقفها تجاه قضايا الاحتلال وتقرير المصير. فبينما تُعلي عواصم
أوروبية من شأن الشرعية الدولية وتدين الاحتلال في مناطق أخرى من العالم كما فعلت
إسبانيا اخيرا في موقفها ضد احتلال غزة .
نراها تستميت
في الدفاع عن بقايا استعمارها العتيق في خاصرة القارة الأفريقية. إن هذا الكيل
بمكيالين يثبت مجدداً أن ألعاب السياسة ومنطق المصالح والمنافع الضيقة يظلان
الحاكم الفعلي للعلاقات الدولية، حيث تتهاوى المبادئ الحقوقية متى تعارضت مع
حسابات النفوذ والمكاسب الاستراتيجية.
من
هنا، يظل الحل التفاوضي الجدي والمسؤول هو الضمانة الوحيدة لاستمرار وتطوير
العلاقات بين البلدين الجارين على أسس
متينة ومستدامة. إن الهروب إلى الأمام وسياسة فرض الأمر الواقع لم تعد تجدي نفعاً
في عالم يتسم بالتحولات السريعة.
فمستقبل سبتة
ومليلية والجزر المحتلة لا يمكن تسويته عبر الخطابات الشعبوية أو المزايدات
الانتخابية الظرفية، بل يتطلب إرادة سياسية حقيقية تفتح باب الحوار الشجاع بعيداً
عن منطق الاستعلاء واستغلال الجغرافيا.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك