بقلم:مريم جمال الإدريسي
السؤال المطروح اليوم لم يعد مرتبطا بتزكية انتخابية عابرة، ولا باسم مرشحة أو مرشح، ولا بصراع ظرفي حول موقع تنظيمي داخل حزب سياسي. لقد تجاوز النقاش كل ذلك ليطرح سؤالا أعمق وأخطر: هل يجوز للقوانين الأساسية والأنظمة الداخلية للأحزاب السياسية أن تجتهد خارج نسق الدستور والقانون؟ وهل تملك الأحزاب، تحت غطاء استقلالها التنظيمي، أن تضع قواعد تصادم النظام العام، أو تلتف على الغايات التي توخاها المشرع من مقتضيات قانونية، ولو كانت ذات طبيعة انتقالية؟
الجواب، من وجهة نظري، لا يحتمل التردد: لا استقلال تنظيمي خارج الشرعية، ولا اجتهاد حزبي فوق الدستور، ولا قاعدة داخلية تستطيع أن تحصن نفسها من الرقابة لمجرد أنها صيغت داخل أسوار حزب سياسي.
التنظيم الذاتي ليس سلطة تشريعية موازية
للأحزاب السياسية الحق في تنظيم شؤونها الداخلية، ووضع قوانينها الأساسية وأنظمتها الداخلية، وتحديد هياكلها ومساطر اتخاذ القرار داخلها. غير أن هذه الحرية ليست مطلقة، ولا يمكن أن تتحول إلى سلطة تشريعية موازية تنازع الدولة اختصاصها أو تعطل القواعد الدستورية والقانونية الآمرة.
فالفصل السابع من دستور المملكة واضح حين ينص على أن الأحزاب السياسية تؤسس وتمارس أنشطتها بحرية، ولكن "في نطاق احترام الدستور والقانون"، كما يوجب أن يكون تنظيمها وتسييرها مطابقين للمبادئ الديمقراطية. ويمنع تأسيسها أو ممارستها على أي أساس من أسس التمييز أو مخالفة حقوق الإنسان. وهذا يعني أن الديمقراطية الداخلية ليست ترفا تنظيميا، ولا شعارا ترفعه الأحزاب في مؤتمراتها، بل التزام دستوري واجب النفاذ.
كما أن القانون التنظيمي رقم 29.11 المتعلق بالأحزاب السياسية لا يمنح الحزب حرية منفلتة من كل قيد، وإنما يؤطر استقلاله بمجموعة من المبادئ والالتزامات المرتبطة بالديمقراطية والشفافية والمشاركة واحترام القانون. وقد أكدت المحكمة الدستورية، عند فحصها هذا القانون التنظيمي، أن الالتزامات المفروضة على الأحزاب تجد أساسها في الدور الدستوري المنوط بها، ولا تمثل مساسا بحريتها الفكرية أو باستقلالها التنظيمي. "قرار المجلس الدستوري رقم 818/2011".
ومن ثم، لا يجوز للنظام الداخلي للحزب أن يمنح جهة تنظيمية اختصاصا لم يمنحه لها القانون، أو أن يضع مساطر تسمح بالإقصاء والتحكم والتمييز، أو أن يحول الاستثناء القانوني إلى قاعدة دائمة، أو التدبير الانتقالي إلى امتياز أبدي تتوارثه شبكات النفوذ والمصالح.
متى تصبح القاعدة الحزبية باطلة؟
حين تتعارض قاعدة واردة في قانون أساسي أو نظام داخلي لحزب سياسي مع الدستور أو القانون التنظيمي للأحزاب أو المبادئ العامة للقانون أو الحقوق والحريات الأساسية، فإنها لا تكتسب المشروعية بمجرد مصادقة مؤتمر حزبي عليها.
كما أن الأغلبية العددية داخل أجهزة الحزب لا تستطيع أن تضفي الشرعية على ما يخالف قاعدة آمرة، فالتصويت لا يصحح البطلان، والمؤتمر لا يملك تعطيل الدستور، والقيادة الحزبية ليست سلطة تأسيسية تضع نفسها فوق القانون، وتسمح لنفسها بتغول داخلي وتنادي برفضه خارج أسوارها.
لذلك، آن الأوان لفتح نقاش قانوني وقضائي جدي بشأن مدى مطابقة الأنظمة الداخلية للأحزاب للقواعد الأعلى منها درجة. وكل مقتضى حزبي يناقض الدستور أو القانون، أو يمس النظام العام، أو يهدر المساواة وتكافؤ الفرص وحقوق الدفاع، يجب أن يكون محلا للطعن وفق المساطر القانونية المقررة، لا أن يظل محصنا بذريعة أنه يدخل ضمن "الشؤون الداخلية للحزب".
فالشأن الداخلي يتوقف حيث يبدأ انتهاك الحقوق، والاستقلال التنظيمي ينتهي عندما يتحول إلى غطاء للتحكم أو التمييز أو مصادرة الإرادة الحرة للمناضلات والمناضلين.
لا يجوز الانحراف عن غاية المشرع...
الخطر لا يكمن دائما في المخالفة الصريحة للنص، فقد تكون المراوغة أكثر خطورة عندما يجري احترام ظاهر القاعدة مع الانقلاب على مقصدها.
حين يضع المشرع تدبيرا انتقاليا لتحقيق غاية محددة، مثل تصحيح اختلال التمثيلية أو دعم حضور النساء أو فتح المؤسسات أمام فئات ظلت مقصاة، فلا يجوز للأحزاب أن تحول ذلك التدبير إلى مجال لتوزيع الامتيازات، أو مكافأة الولاءات، أو خدمة القرابة والنفوذ والقدرة المالية.
إن التدبير الانتقالي ليس غنيمة، والتمييز الإيجابي ليس ريعا سياسيا، واللائحة الانتخابية ليست ملكية خاصة للقيادات الحزبية. وكل استعمال لهذه الآليات خارج الغاية التي أحدثت من أجلها يمثل انحرافا عن مقصد القانون، حتى ولو جرى تغليفه بمساطر داخلية تبدو، في ظاهرها، سليمة.
فالقانون لا يقرأ بحروفه وحدها، بل بغاياته أيضا، وبفلسفته وروحه التي تصبو لتحقيق العدالة، والتي ولا يكفي احترام الشكل إذا كان المضمون يقوم على الالتفاف ويقود إلى الإقصاء وتكريس الامتياز.
الموضوع أكبر من التزكيات
موضوعنا اليوم ليس مجرد خلاف حول التزكيات، ولا "زكاماً انتخابيا" عابرا ستنتهي أعراضه بانتهاء الاستحقاقات. إن ما يجري يدق ناقوس خطر حقيقي بشأن مستقبل الوساطة السياسية في المغرب.
عندما تتحول الأحزاب من فضاءات للتكوين والتأطير وإنتاج الأفكار إلى أدوات لتدبير المواقع، ومن مؤسسات لتجديد النخب إلى آليات لإعادة تدوير الأشخاص أنفسهم، ومن مدارس للمواطنة إلى شبكات مغلقة لتبادل المصالح، فإن الخلل لا يبقى شأنا حزبيا داخليا، بل يتحول إلى أزمة مؤسساتية تمس الثقة في العمل السياسي برمته.
فالدستور لم يسند إلى الأحزاب دورا شكليا، وإنما حملها مسؤولية تأطير المواطنات والمواطنين وتكوينهم السياسي، وتعزيز انخراطهم في الحياة الوطنية وفي تدبير الشأن العام، والمساهمة في التعبير عن إرادة الناخبين والمشاركة في ممارسة السلطة على أساس التعددية والتناوب وبالوسائل الديمقراطية.
وحين تتخلى الأحزاب عن هذه الوظائف، فإنها لا تقصر فقط في تنفيذ برامجها، بل تفرغ وظيفة دستورية من مضمونها.
الكولسة ليست ديمقراطية داخلية
لم يعد مقبولا أن تتخذ القرارات الحاسمة داخل دوائر ضيقة، ثم تستدعى الأجهزة الحزبية لمنحها شرعية شكلية. ولم يعد مقبولا أن تتحول الاجتماعات إلى واجهات، والتصويتات إلى طقوس، والمؤتمرات إلى مناسبات لتجديد الولاء بدل تجديد الفكر والنخب.
أساليب الكولسة المقيتة، والمساومات الخفية، وصناعة التحالفات لخدمة أجندات خاصة، لم يعد لها محل في مغرب اليوم. فالحزب الذي يطالب بالديمقراطية خارج أسواره، مطالب أولا بممارستها داخلها. ومن يرفع شعار دولة الحق والقانون، لا يجوز له أن يبني نظامه الداخلي على الانتقائية والغموض وتركيز السلطة وتهميش الأصوات المخالفة.
ولا ديمقراطية من دون شفافية في معايير الترشيح، ومساواة في الولوج إلى المسؤوليات، وضمان لحقوق الدفاع، وتعليل للقرارات، وإمكان حقيقي للطعن فيها أمام جهات مستقلة ومحايدة.
الاستثمار في الإنسان قبل الاكتفاء بالعمران
نريد للمغرب أن يكون بلدا رائدا في بنياته التحتية، وفي مشاريعه الكبرى، وفي جاذبيته للاستثمار الأجنبي وتشجيعه للاستثمار الوطني. لكن الريادة لا تبنى بالحجر وحده.
نحتاج أيضا إلى الاستثمار في البشر، وفي الوعي، وفي الكفاءة، وفي الضمير السياسي. نحتاج إلى نساء ورجال يعلون بالمصلحة العامة فوق ذواتهم، ويتمسكون بالمبادئ لا بالمواقع، وبالأهداف لا بالمكاسب، وبالوطنية الصادقة لا بالشعارات الموسمية.
فلا قيمة لطريق سريع إذا كان الطريق إلى المؤسسات مسدودا أمام الكفاءات، ولا معنى لمشاريع عملاقة إذا ظلت الحياة السياسية أسيرة الحسابات الصغيرة. قوة الدولة لا تقاس فقط بما تشيده من بنايات ومنشآت، بل كذلك بنوعية النخب التي تنتجها، وبقدرة مؤسساتها على حماية الحق، وضمان المساواة، ومحاربة التمييز والانحراف في استعمال السلطة.
من أجل رقابة قانونية حقيقية
آن الأوان لإعادة النظر في كثير من الصياغات والقواعد التي تؤطر الأحزاب من الداخل، وإخضاعها لفحص قانوني ودستوري جدي يختبر مدى توافقها مع الدستور، والقوانين التنظيمية، والمواثيق الدولية لحقوق الإنسان كما صادق عليها المغرب، والمبادئ المرتبطة بالمساواة والديمقراطية وحقوق الدفاع.
كما آن الأوان لتفعيل الرقابة على القرارات الحزبية متى تجاوز أثرها النطاق التنظيمي الضيق ومس حقوق الأعضاء، أو نزاهة الترشيحات، أو المساواة بين المواطنات والمواطنين، أو قواعد النظام العام.
فالمساس بالنظام العام لا يعالج بالصمت، ولا يترك للتوازنات الحزبية، بل يستدعي تدخل المؤسسات المختصة كل في حدود صلاحياتها، لفرض الانضباط للقانون وحماية الحقوق وإعادة الاعتبار للمشروعية.
إن كل مزايدة تخرج عن المشترك الذي يوحدنا ويخدم مجتمعنا وبلدنا ليست اختلافا سياسيا مشروعا، بل انحراف بالنقاش من جوهره إلى هوامش تفرغ كلمة الحق من قيمتها، انحراف يميل لتزكية ممارسات فاسدة، باسم " فشل استحقاق لمصلحة"، ولا يحق لنا الاستمرار في توجيه سهام اللوم ضد كل من يحتج على طريقة تدبير حقوقه، باختزال الموضوعات فيما هو ذات.
فالذات مهما انتفضت وجوديتها، وناشدت في المدونات حقوقها، تظل عابرة ومصيرها زوال، لكن المبادئ لا تمضي بمرور الوقت ولا بالحاجة لتدبير فترات.
لقد حان الوقت لكي تستعيد الأحزاب معناها الدستوري، وأن تعود فضاءات للفكر والتكوين والوساطة وتجديد النخب، لا أدوات لتدبير مرحلة بمصالح خاصة وأهداف ضيقة. فالديمقراطية لا تبدأ يوم الاقتراع، إنها تبدأ من داخل الحزب، ومن طريقة صياغة قواعده، واختيار مسؤوليه ومرشحيه، واحترامه لحقوق أعضائه.
ومن يعجز عن ممارسة الديمقراطية داخل بيته، لن يكون مؤهلا لحملها إلى مؤسسات الدولة.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك