بقلم:العلمي الحروني-منسق تيار اليسار الجديد المتجدد
القسم الأول: الحدث وسياقه الوطني
الجزء الثاني: مأساة النزوح وأزمة الثقة في المؤسسات والطبقة السياسية ومأزق النموذج السياسي والاقتصادي والاجتماعي
لا يمكن فهم المأساة الإنسانية للنزوح الجماعي نحو سبتة المحتلة يومي 30 و31 يوليوز 2026 باعتبارها مجرد حادث هجرة جماعية غير نظامية عادية. إنها انفجار حاد لأزمة اجتماعية واقتصادية وسياسية تراكمت على مدى سنوات إن لم نقل منذ سبعة عقود من الاستقلال الشكلي والمنقوص. كما ان هذا "الهروب من الوطن" هو في العمق تعبير واضح عن أزمة ثقة في المؤسسات والطبقة السياسية وعن مأزق النموذج السياسي والاقتصادي والاجتماعي . لقد أصبحت البحر بكل مخاطره أقصر طريق في مخيلة آلاف الشباب نحو مستقبل أفضل، يتعلق الأمر إذن بمؤشر بالغ الخطورة على عمق الإحساس بالانسداد وفقدان الأمل والثقة في إمكانية بناء حياة كريمة داخل الوطن. هذا المشهد متناغم مع التشخيص الذي قدمته أرضية "تيار اليسار الجديد المتجدد" لواقع الشباب المغربي، حين تحدثت عن "ثالوث البطالة ـ الهجرة ـ الجريمة"، وربطت الهجرة بالتهميش وفقدان الثقة في المؤسسات وغياب سياسات شبابية فعلية.
الأرقام الرسمية تؤكد هذا التشخيص. حيث تجمع المؤسسات الرسمية كالمندوبية السامية للتخطيط وبنك المغرب والمعهد الملكي للدراسات الاستراتيجية وغيرها على عمق الأزمة وديمومتها. وبالفعل، فقد بلغ عدد العاطلين بالمغرب سنة 2025 حوالي 1.621 مليون مواطن/ة، واستقر معدل البطالة في حدود 13%، بينما ارتفع لدى الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و24 سنة إلى 37.2%، وبلغ 20.5% لدى النساء. والأخطر أن حجم الخصاص في فرص الشغل ارتفع من 1.082 مليون إلى 1.190 مليون، لا يتعلق الأمر بالعاطلين والعاطلات وإنما أيضا وأساسا بمن يشتغلون في أوضاع هشة لا تضمن شروط العيش الكريم وبدون أية حقوق شغلية. كما تؤكد المندوبية السامية للتخطيط أن ظاهرة الشباب خارج التعليم والتكوين والشغل (NEET) تطرح تحديا بنيويا، إذ الأمر يتعلق بمعدل شابا واحدا من كل ثلاثة شباب تتراوح أعمارهم بين 15 و29 سنة.
وتتخذ هذه الأزمة بعدا أعمق حين نضعها في علاقتها بمسألة الفساد والحكامة. فالمغرب يتوفر على مؤسسات دستورية مستقلة يفترض أن تؤدي وظيفة الرقابة والتوازن ومحاربة الفساد والرشوة، غير أن التجربة العملية كشفت أكثر من مرة عن حدود استقلالية هذه المؤسسات وعن صعوبة تحويل تقاريرها وتوصياتها إلى سياسات فعلية للمساءلة والمحاسبة. ولعل المثال الأكثر دلالة هو ملف المحروقات، فقد أحال مجلس المنافسة ملف يتعلق بممارسات منافية لشروط المنافسة الحقة في سوق المحروقات إلى التحقيق، وقد جرى الحديث عن رقم اختلاس حوالي 17 مليار درهم وانتهت المسطرة سنة 2023 إلى تسويات تصالحية بلغ مجموعها 1.840 مليار درهم بالنسبة للشركات والمنظمات المهنية المعنية، مع التزامات سلوكية إلزامية لتحسين شروط المنافسة وحماية المستهلك، والخطير أن القضية لا تتعلق بمجرد لوبي اقتصادي جشع استغل ضعف القانون أو منظومة المراقبة فقط، وإنما للأمر بعد سياسي ذلك أن القضية كلها كانت بقيادة أو رعاية وتواطؤ رئيس الحكومة الحالي المتهم بتضارب المصالح.
لكن المفارقة السياسية تكمن في أن المؤسسة الدستورية التي يفترض أن تمارس وظيفة الضبط والمراقبة أصبحت هي نفسها موضع تدخلات وتغييرات أثارت نقاشا واسعا حول استقلاليتها؛ فقد سبق أن أُعفي الرئيس السابق لمجلس المنافسة إدريس الكراوي في سياق تداعيات ملف المحروقات، وهو ما أشارت اليه أرضية "تيار اليسار الجديد المتجدد" نفسها بصياغة نقدية واضحة، بأن الأمر انتهى إلى "عقاب مجلس المنافسة وليس لوبي المحروقات". كما أشارت الأرضية نفسها إلى أن "قرار التستر على الفساد" كان من بين مظاهر أزمة الحكامة والتحكيم المرتبط بالصيغة الأولى لتقرير مجلس المنافسة وما أعقبه من قرارات إدارية لطمس الملف، رابطة كل ذلك بمشكلة أوسع وأعمق تتعلق بغياب ربط المسؤولية بكل مستوياتها بالمحاسبة والمساءلة.
لا تتعلق هذه الإشكالية ولا تقف عند مجلس المنافسة وحده. ففي سنة 2025 خفضت الاعتمادات المخصصة للهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها من حوالي 269.4 مليون درهم سنة 2024 إلى 210.2 مليون درهم سنة 2025، أي بانخفاض يقارب 60 مليون درهم. كان ذلك عقابا واضحا على تقاريرها المهنية المستقلة، بالرغم من تبريرات الحكومة لذلك بكون جزء من نفقات التأسيس والعتاد والمقرات لم يعد ضروريا بعد تجاوز المرحلة الأولى من إحداث المؤسسة. ذلك أن توقيت هذا التخفيض، في ظل استمرار انتشار الفساد والحاجة إلى تقوية مؤسسات الوقاية والمراقبة، يطرح سؤالا سياسيا مشروعا حول مدى توفير شروط الاستقلال والفعالية للمؤسسات الدستورية المكلفة بمحاربة الفساد. والأمر أكثر دلالة إذا استحضرنا أن الهيئة نفسها تضطلع دستوريا وقانونيا بدراسة برامج محاربة الفساد والمصادقة على ميزانيتها وإصدار التوصيات والمقترحات الموجهة إلى الحكومة والبرلمان.
وتأتي هذه الوقائع في سياق استمرار مؤشرات مقلقة حول الفساد. ففي مؤشر مدركات الفساد لسنة 2025 حصل المغرب على 39 نقطة من أصل 100 واحتل المرتبة 91 من أصل 182 دولة، وهو تحسن محدود بنقطتين مقارنة بالسنة السابقة، لكنه لا يسمح بالحديث عن تحول نوعي في مواجهة الفساد. كما أن استمرار الحاجة إلى تقارير المجلس الأعلى للحسابات، الذي يمارس بموجب الفصلين 147 و148 من الدستور الرقابة العليا على تنفيذ قوانين المالية، وإحالته تقرير تنفيذ مالية 2024 إلى البرلمان ورئيس الحكومة ووزير الاقتصاد والمالية، يبين أن إشكال الحكامة والمساءلة لا يزال مطروحا بقوة داخل بنية الدولة نفسها.
ومن جانب آخر، فالإشكالية لا تقف عند ضغط الحكومة الحالية، المتورطة في تضارب المصالح، على مؤسسات دستورية بل وصل الأمر إلى التضييق غير المسبوق على المجتمع المدني والصحافيين والمواطنين العاديين، ذلك بتقنين منع وضع شكاوى مدنية ضد المفسدين وناهبي المال العام ومستغلي نفوذهم للاغتناء غير المشروع، او محاكمة صحافيين بعينهم وإطلاق العنان للموالين منهم ومحاكمات لمواطنين بسبب تدوينات هنا وهناك.
ومن هنا تبرز العلاقة بين الأزمة الاجتماعية وأزمة المؤسسات وأزمة الثقة، فالشاب الذي يواجه بطالة تقارب 37% في فئته العمرية، أو يجد نفسه خارج التعليم والعمل والتكوين، ويعيش في فضاء اجتماعي تتسع فيه الفوارق المجالية والاجتماعية، لا ينظر إلى مؤسسات الدولة فقط من زاوية خدماتها اليومية، وإنما يقيس مصداقيتها بقدرتها على ضمان العدالة وتكافؤ الفرص وربط المسؤولية بالمحاسبة. وعندما يرى أن مؤسسات دستورية أنشئت لمواجهة الفساد لا تتمتع بالقوة والاستقلالية الكافيتين، وأن ملفات كبرى مرتبطة بالاحتكار والمنافسة والريع تنتهي دون إحداث التحول السياسي والاجتماعي المنتظر، فإن الفجوة بين الدولة والمجتمع تصبح أكثر اتساعا.
بهذا المعنى، فإن مأساة 30 و31 يوليوز 2026 مرتبطة ارتباطا وثيقا بالسياق الوطني إذ هي لحظة كاشفة لأزمة بنيوية مستمرة. فالمئات والآلاف الذين خاطروا بحياتهم في البحر أو اندفعوا نحو الحواجز الحدودية هم، في جانب مهم منهم، نتاج واقع اجتماعي وسياسي لم يعد يقنع قطاعات من الشباب بأن المستقبل ممكن داخل الوطن. وقد كشفت أحداث نهاية يوليوز عن حجم غير مسبوق لهذه الأزمة، إذ تحدثت التقارير عن تدفقات بعشرات الآلاف خلال فترة قصيرة، بينما تجاوز عدد الواصلين أو محاولي الوصول إلى سبتة، وفق تقديرات إسبانية ووطنية رسمية ومدنية متضاربة، عشرات الآلاف وكان آخر رقم قرأناه هو 114 ألفا، مع سقوط ضحايا ومفقودين بالعشرات.
وهكذا، فإن السؤال الحقيقي الذي تطرحه مأساة النزوح الكبير لسبتة ومليلية المحتلتين هو كيف وصل الشباب إلى الحدود؟ ولماذا أصبح جزء من الشباب المغربي مستعدا للموت للوصول إليها؟ فقد تستطيع المقاربة الأمنية إغلاق الحدود وتأخير الموجات، لكن السياسات اللاشعبية واللاديمقراطية واللاوطنية أحيانا فشلت في وقف أسباب النزوح. وما لم تتم معالجة جذور الأزمة المتمثلة في البطالة والهشاشة والتفاوتات الطبقية والمجالية وضعف الخدمات العمومية التعليمية والصحية وتغول الفساد والريع وأزمة الثقة في المؤسسات والطبقة السياسية الخنوعة، فإن النزوح سيظل قابلا للتكرار بأشكال وأماكن مختلفة.
إن ما حدث في 30 و31 يوليوز 2026 يعتبر جرس إنذار سياسي واجتماعي عميق. فالأزمة لا تنتهي بإعادة النازحين والنازحات وجثث الموتى منهم إلى الضفة المغربية طوعا أو بالقوة وإنما بقوة إعادة الأمل إلى مجتمع فقد ثقته في المستقبل.
ومن منظورنا كتيار اليسار الجديد المتجدد، فإن هذه اللحظة تفرض إعادة طرح سؤال النموذج السياسي والتنموي الاقتصادي والاجتماعي برمته، والانتقال من إدارة الأزمات إلى معالجة أسبابها البنيوية، ومن محاربة مظاهر الاحتقان إلى بناء شروط الكرامة للمغاربة والمغربيات والعدالة الاجتماعية لفائدة ضحايا الاستبداد والتسلط من الطبقات الكادحة وتكافؤ الفرص والديمقراطية والمساءلة وإعطاء المثال القدوة. وهو ما ينسجم مباشرة مع تشخيص الأرضية للأزمة البنيوية المتعددة الأبعاد بالمغرب، وربطها بتفاقم البطالة والفوارق الطبقية والاحتجاجات الاجتماعية وقمع الحريات، وبالحاجة إلى استراتيجية يسارية نضالية تتجاوز رفع شعار محاربة الفساد نحو مواجهته فعليا باعتباره قاعدة من قواعد الاستبداد.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك