أنتلجنسيا:ياسر اروين
أعاد الجدل السياسي المتصاعد حول مستقبل وزارة الاقتصاد والمالية إلى الواجهة أسئلة محرجة تتعلق بالمسؤولية السياسية لحزب التجمع الوطني للأحرار في تدبير عدد من الملفات الاقتصادية والفلاحية التي أثارت نقاشاً واسعاً خلال السنوات الأخيرة، وفي مقدمتها ملف دعم استيراد المواشي وارتفاع أسعار اللحوم والمواد الغذائية الأساسية.
فمنذ سنة 2007، ظل قطاع الفلاحة تحت الإشراف المباشر والمتواصل للتجمع الوطني للأحرار، بداية بعزيز أخنوش ثم محمد صديقي وصولاً إلى أحمد البواري، ما يجعل الحزب في صلب أي نقاش مرتبط بحصيلة السياسات الفلاحية ونتائجها على الأسواق الوطنية والأمن الغذائي والقدرة الشرائية للمواطنين.
وتؤكد المعطيات المرتبطة بهيكلة العمل الحكومي أن مسؤولية تدبير سلاسل الإنتاج الفلاحي وتتبع الأسواق وتنفيذ البرامج القطاعية تقع أساساً على عاتق وزارة الفلاحة ومؤسساتها المختصة، بينما يقتصر دور وزارة الاقتصاد والمالية على تعبئة الموارد المالية وتوفير الاعتمادات اللازمة لتنفيذ السياسات العمومية التي تضعها القطاعات الحكومية المختلفة.
وفي هذا السياق، اكتسبت التصريحات الأخيرة لرشيد الطالبي العلمي دلالات سياسية تتجاوز حدود السجال الحزبي العادي، خصوصاً أنها تزامنت مع تنامي الحديث عن إمكانية انتقال فوزي لقجع إلى وزارة الاقتصاد والمالية في المرحلة المقبلة. ويرى متابعون أن ردود الفعل التي رافقت هذا الطرح تعكس وجود تخوفات تتجاوز مجرد التنافس حول المناصب، لتلامس طبيعة العلاقة مع ملفات مالية واستراتيجية ظلت محل جدل خلال السنوات الأخيرة.
ويستحضر مراقبون في هذا الإطار مواقف سابقة لفوزي لقجع داخل البرلمان، عندما عبر عن تحفظات مرتبطة ببعض آليات الدعم العمومي وكيفية تدبيرها، وهو ما جعل اسمه يرتبط لدى جزء من الرأي العام بطرح أسئلة تتعلق بالحكامة المالية وتتبع صرف الموارد العمومية.
ومن هذا المنطلق، يطرح متابعون سؤالاً محورياً: إذا كانت المسؤولية التدبيرية عن ملفات الدعم الفلاحي واللحوم والأسواق تعود في جانبها التنفيذي إلى القطاع الذي ظل يقوده التجمع الوطني للأحرار لأكثر من عقد ونصف، فلماذا يتحول احتمال وصول لقجع إلى وزارة المالية إلى موضوع يثير كل هذا الجدل السياسي؟
ويرى عدد من المراقبين أن جوهر النقاش لا يتعلق بالأشخاص بقدر ما يتعلق بالتحكم في مركز القرار المالي داخل الدولة. فوزارة الاقتصاد والمالية ليست مجرد حقيبة حكومية عادية، بل مؤسسة استراتيجية تشرف على تدبير الموارد العمومية ومراقبة النفقات وآليات الدعم وتوجيه السياسات الاقتصادية الكبرى.
ولهذا السبب، يعتبر متتبعون أن ما يطفو على السطح اليوم قد يكون مؤشراً على صراع أعمق حول النفوذ وتوزيع مراكز القوة داخل الحكومة المقبلة، خاصة في ظل تزايد المطالب بمراجعة حصيلة عدد من البرامج والسياسات التي ارتبطت مباشرة بقطاعات ظل التجمع الوطني للأحرار يشرف عليها لسنوات طويلة.
وفي خضم هذا الجدل، تبقى حقيقة واحدة حاضرة بقوة في النقاش العمومي: عندما يتعلق الأمر بملفات الفلاحة واللحوم والدعم المرتبط بها، فإن المسؤولية السياسية الأولى تظل مرتبطة بالحزب الذي قاد القطاع بشكل متواصل منذ سنة 2007، وهو ما يجعل أي نقاش حول المستقبل المالي للحكومة مرتبطاً أيضاً بتقييم حصيلة الماضي ومساءلة من أشرف على تدبيره.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك