أنتلجنسيا المغرب:وصال . ل
مع اقتراب الدخول المدرسي في المغرب،
تعود الأسر إلى مواجهة واحدة من أكثر الفترات ضغطاً على ميزانيتها، فالمسألة لم
تعد مرتبطة بشراء محفظة ودفاتر وأقلام فقط، بل أصبحت فاتورة متكاملة تشمل الملابس
والأحذية والكتب والأدوات والمصاريف اليومية والنقل، وتزداد حدة الضغط لدى الأسر
محدودة الدخل التي تجد نفسها مضطرة إلى تدبير هذه المصاريف في ظرف اقتصادي لا يسمح
بهامش كبير للمناورة، خصوصاً أن الدراسة الفعلية ستنطلق يوم 7 شتنبر 2026 وفق
المقرر الرسمي لوزارة التربية الوطنية.
وتظهر أبعاد الفقر والغلاء بوضوح
عندما تنتقل الأسرة من قائمة الاحتياجات إلى حساب قدرتها الفعلية على الأداء،
فهناك أسر قد تضطر إلى تأجيل شراء بعض الملابس أو الاكتفاء بما هو موجود من الموسم
السابق، بينما تجد أسر أخرى نفسها أمام ضرورة شراء كل شيء من جديد بسبب نمو
الأطفال أو متطلبات المدرسة، أما الأدوات المدرسية فتشكل بدورها عبئاً إضافياً، إذ
تشير تقديرات منشورة حديثاً إلى إمكانية وصول كلفة الدخول المدرسي في بعض الحالات
إلى نحو 4000 درهم، مع اختلاف كبير بحسب المستوى الدراسي ونوع المؤسسة.
ولا تبدو معاناة الأسر في المدن
مطابقة تماماً لما تعيشه الأسر في القرى والبوادي، فالعائلة الحضرية قد تكون أقرب
إلى المكتبات والأسواق والمؤسسات التعليمية، لكنها تواجه في المقابل ارتفاع كلفة
الملابس والأدوات والكتب وتعدد المصاريف اليومية، بينما تتحمل الأسر القروية أعباء
إضافية مرتبطة بالمسافة والنقل المدرسي والتنقل إلى المؤسسات التعليمية، وقد يتحول
بُعد المدرسة وحده إلى تكلفة شهرية مستمرة تفوق أحياناً ثمن بعض اللوازم التي
تشتري مرة واحدة، وهو ما جعل مبادرات دعم الأسر في العالم القروي مرتبطة أيضاً
بتخفيف أعباء الأدوات والكتب.
وتبرز الملابس المدرسية والأحذية كجزء
لا يقل أهمية عن الأدوات، خصوصاً بالنسبة إلى الأسر التي لديها أكثر من طفل
متمدرس، فشراء كسوة جديدة لكل طفل قد يعني مضاعفة المصاريف خلال أسابيع قليلة،
بينما تفرض بعض المؤسسات الخاصة لوائح كتب ومقررات إضافية تزيد الفاتورة، وقد سبق
أن أثارت جمعيات آباء وأولياء التلاميذ مسألة ارتفاع أسعار بعض المقررات واللوازم،
مع مطالب بمراقبة السوق ومنع الممارسات التي تثقل كاهل الأسر وتحد من قدرتها على
الاختيار.
وفي القرى والمناطق البعيدة، يأخذ الضغط
الاجتماعي شكلاً مختلفاً، إذ لا تنتهي مصاريف الدخول المدرسي عند شراء المحفظة
والدفاتر، بل تبدأ معها حسابات النقل اليومي، والمسافات الطويلة، ومصاريف الوجبات،
وأحياناً الحاجة إلى توفير وسيلة نقل منتظمة للوصول إلى مؤسسة بعيدة عن الدوار،
وهذا الوضع يجعل الفقر عاملاً مؤثراً في الاستمرار الدراسي، لأن الأسرة قد تجد
نفسها أمام خيار صعب بين تحمل مصاريف إضافية تفوق إمكاناتها أو مواجهة خطر
الانقطاع عن الدراسة، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بعدة أبناء في سن التمدرس.
ومن زاوية اجتماعية أوسع، يكشف الدخول
المدرسي الفارق بين الأسر المغربية في قدرتها على توفير الظروف نفسها لأبنائها،
فأسرة ميسورة تستطيع شراء الأدوات والملابس في وقت مبكر، واختيار وسائل نقل مريحة،
وتوفير مصاريف إضافية للدعم المدرسي، بينما تضطر الأسرة محدودة الدخل إلى ترتيب
الأولويات والتنازل عن بعض الحاجيات، وقد تتحول المحفظة والكسوة والنقل من تفاصيل
عادية إلى قرارات مالية تحتاج إلى حساب دقيق، وهنا تصبح المدرسة مرآة واضحة
للفوارق الاجتماعية أكثر من كونها مجرد فضاء للتعلم.
وتحاول برامج الدعم العمومي تخفيف جزء
من هذه الأعباء، غير أن حجم الاحتياجات يظل أكبر من مجرد منحة أو مساعدة موسمية،
لأن الأسرة لا تواجه مصروفاً واحداً وإنما سلسلة من النفقات التي تمتد طوال السنة
الدراسية، كما أن الأدوات والكتب ليست سوى البداية، يليها النقل والوجبات والملابس
والمصاريف المرتبطة بالأنشطة والدراسة، ولذلك فإن معالجة كلفة التمدرس تحتاج إلى
رؤية اجتماعية متكاملة تراعي اختلاف ظروف الأسر بين المدن والقرى والبوادي.
وفي النهاية، فإن الدخول المدرسي لا
يقاس فقط بعدد التلاميذ الذين سيلتحقون بمقاعد الدراسة، وإنما أيضاً بقدرة أسرهم
على تحمل تكلفة هذه العودة دون أن تتحول إلى عبء يهدد استقرارها المالي، فبين غلاء
المعيشة، وارتفاع كلفة الكسوة والأدوات، ومصاريف النقل، تتسع دائرة التحديات أمام
الأسر الفقيرة والمتوسطة، ويصبح الرهان الحقيقي هو ضمان ألا يكون الوضع الاجتماعي
أو مكان السكن سبباً في حصول طفل على تعليم أقل جودة أو في ابتعاده تدريجياً عن
المدرسة.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك