أنتلجنسيا:أبو فراس
عادت قضية الأمن الغذائي إلى الواجهة بقوة بعدما بات المغرب يستعد لاستئناف استيراد القمح من الأسواق الدولية ابتداء من منتصف شتنبر المقبل، في تطور يكشف أن تحسن الإنتاج الفلاحي وحده لم يكن كافياً لتحقيق الاكتفاء المطلوب أو بناء مخزون استراتيجي قادر على تلبية حاجيات السوق الوطنية على المدى المتوسط.
وبينما كانت التوقعات الرسمية تراهن على موسم فلاحي أفضل بعد سنوات قاسية من الجفاف، اصطدمت هذه الآمال بواقع أكثر تعقيداً، حيث لم تنجح منظومة التجميع والتخزين في استقطاب الكميات المنتظرة من القمح المحلي، خصوصاً القمح اللين الذي يشكل المادة الأساسية لإنتاج الخبز ومشتقات الدقيق الأكثر استهلاكاً لدى المغاربة.
وحسب معطيات مهنية، فإن السلطات كانت تراهن على تكوين احتياطي مهم من الحبوب المنتجة محلياً، مستفيدة من تحسن التساقطات المطرية وارتفاع الإنتاج خلال الموسم الحالي، غير أن جزءاً مهماً من المحصول لم يجد طريقه إلى قنوات التخزين الرسمية بالوتيرة التي كانت منتظرة، ما أعاد الحاجة إلى الأسواق الخارجية لتأمين الإمدادات وضمان استقرار التموين.
ويؤكد فاعلون في القطاع أن عدداً من الفلاحين فضلوا الاحتفاظ بجزء من إنتاجهم بدلاً من تسويقه مباشرة، وهو ما أبطأ عمليات التجميع وأربك خطط تكوين المخزون الاستراتيجي. ويُرجع مهنيون هذا السلوك إلى تداعيات سنوات الجفاف المتتالية التي دفعت المنتجين إلى تبني مقاربة أكثر تحفظاً في تدبير محاصيلهم الزراعية.
ولم تكن هذه العقبة الوحيدة، إذ واجه الموسم الفلاحي أيضاً تحديات مرتبطة بنقص اليد العاملة وتأخر عمليات الحصاد وقدم بعض المعدات المستعملة، إضافة إلى ملاحظات تقنية مرتبطة بجودة بعض الأصناف المحلية ومستوى البروتين فيها، ما دفع عدداً من المطاحن إلى الاستمرار في الاعتماد على خلط القمح المحلي بقمح مستورد أكثر ملاءمة للمعايير الصناعية المطلوبة.
ورغم التحسن الملحوظ الذي شهده الموسم الفلاحي مقارنة بالسنوات السابقة، فإن الأرقام الميدانية أظهرت أن ارتفاع الإنتاج لا يعني بالضرورة تحقيق الأمن الغذائي المنشود، خاصة عندما تواجه حلقات التجميع والتخزين والتوزيع اختلالات تحد من القدرة على تحويل المحصول الزراعي إلى احتياطي فعلي ومستدام.
ويحمل قرار العودة إلى الاستيراد دلالات اقتصادية مهمة، لأنه يؤكد استمرار ارتباط السوق الوطنية بالتقلبات الدولية، سواء على مستوى الأسعار أو تكاليف النقل والشحن البحري. كما يعكس استمرار هشاشة التوازن بين الإنتاج المحلي والحاجيات الاستهلاكية المتزايدة، رغم الجهود المبذولة لتقليص التبعية للخارج.
ومن المرتقب أن تتجه المملكة مجدداً إلى الأسواق العالمية لتأمين الكميات الضرورية من القمح خلال الأشهر المقبلة، في وقت تبدو فيه الإمدادات الدولية متوفرة، غير أن التحدي الحقيقي سيظل مرتبطاً بسرعة الاستيراد وكلفة النقل والقدرة على تأمين مخزون يحمي البلاد من أي اضطرابات محتملة في الأسواق العالمية.
وتفتح هذه التطورات نقاشاً واسعاً حول فعالية السياسات المعتمدة في تدبير قطاع الحبوب، إذ لم يعد السؤال المطروح مرتبطاً فقط بحجم الإنتاج الزراعي، بل بمدى قدرة المغرب على تحويل مواسم الوفرة إلى مخزون استراتيجي حقيقي يضمن السيادة الغذائية ويقلص الارتهان المستمر للأسواق الخارجية. فبين وفرة الحقول وصعوبة التخزين، يجد المغرب نفسه مرة أخرى مضطراً للعودة إلى استيراد القمح، في مشهد يعيد طرح أسئلة جوهرية حول مستقبل الأمن الغذائي الوطني.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك