ذاكرة معتقلي اليسار بالمغرب تُكتب وذاكرة الإسلاميين تُدفن في صمت

ذاكرة معتقلي اليسار بالمغرب تُكتب وذاكرة الإسلاميين تُدفن في صمت
تقارير / الخميس 13 غشت 2026 / لا توجد تعليقات: لمجيد

أنتلجنسيا:أبو جاسر

رغم أن السجون المغربية احتضنت على امتداد عقود تجارب اعتقال قاسية طالت أطيافا سياسية وفكرية متعددة، فإن المفارقة اللافتة تكمن في أن تجربة الاعتقال اليسارية تحولت إلى رصيد ضخم من الكتب والشهادات والمذكرات والأبحاث الأكاديمية، بينما ظلت تجربة المعتقلين الإسلاميين، على الرغم من حجم المعاناة وما رافقها من ادعاءات حول الانتهاكات والتعذيب والمحاكمات المثيرة للجدل، حبيسة الرواية الشفوية والذاكرة الفردية، دون أن تنجح في التحول إلى أرشيف مكتوب قادر على فرض نفسه في النقاش الحقوقي والسياسي.

هذا التباين لا يرتبط فقط بإرادة الأفراد أو بقدرتهم على التوثيق، بل تحكمه عوامل موضوعية وأخرى ذاتية ساهمت في رسم مصير مختلف لكل من التجربتين.

فمن الناحية التاريخية، تبقى تجربة الاعتقال الإسلامي حديثة(رغم حملة اعتقالات طالت أعضاء من الشبيبة الإسلامية إبان اعتقالات اليسار الجذري الذي كان محور نقاشات الرأي العام الوطني والدولي) نسبيا مقارنة بتجربة اليسار التي تعود إلى عقود سابقة وشكلت جزءا من ما عرف بسنوات الرصاص، ما أتاح لها زمنا أطول للنضج والتوثيق وإعادة القراءة والتحليل.

كما أن مرور الزمن منح العديد من الفاعلين اليساريين فرصة كتابة مذكراتهم وتحويل معاناتهم إلى مادة سياسية وحقوقية وأدبية حافظت على حضورها في الذاكرة الجماعية.

أما العامل الموضوعي الثاني فيتجلى في الطبيعة الحساسة للملف الإسلامي نفسه، خاصة بعد أحداث الحادي عشر من شتنبر وما تلاها من إعلان حرب عالمية على الإرهاب قادتها الولايات المتحدة الأمريكية وحلفاؤها.

ففي هذا السياق الدولي المشحون، أصبح أي حديث عن المعتقلين الإسلاميين يصطدم مباشرة بخطاب أمني عالمي يربط الظاهرة الإسلامية بملفات الإرهاب والتطرف والعنف، وهو ما جعل الكثير من الشهادات والمعطيات المتعلقة بهذه التجربة تفقد فرصتها في الوصول إلى المنصات الحقوقية والإعلامية الدولية بنفس القوة التي حظيت بها تجارب أخرى.

وفي المقابل، لا يمكن إعفاء الفاعلين الإسلاميين أنفسهم من جزء مهم من المسؤولية. فالعامل الذاتي يبدو حاسما في تفسير هذا الغياب الواضح عن فضاء التوثيق والترافع، إذ فشلت قطاعات واسعة من المعنيين بهذه التجربة في بناء ملفات حقوقية احترافية تستجيب للمعايير الدولية المعتمدة في توثيق الانتهاكات.

كما عجزت عن تحويل المعاناة الفردية إلى قضايا قانونية وحقوقية منظمة يمكن الدفاع عنها أمام المؤسسات والآليات الأممية المختصة.

ويؤكد متابعون أن كثيرا من الشهادات المرتبطة بالاعتقال الإسلامي ظلت أسيرة المجالس الخاصة والحوارات الشفوية والكتابات المتفرقة، دون أن ترتقي إلى مستوى المشاريع التوثيقية الكبرى القادرة على صناعة رأي عام وطني ودولي.

كما أن ضعف الحضور داخل المنظمات الحقوقية الدولية وغياب الترافع المنهجي أمام الهيئات الأممية المختصة بحقوق الإنسان جعلا هذه الملفات بعيدة عن دوائر التأثير والضغط.

وفي الوقت الذي نجح فيه العديد من المعتقلين اليساريين السابقين في تحويل تجاربهم إلى مراجع فكرية وأدبية وحقوقية، بقيت ذاكرة المعتقل الإسلامي مشتتة بين روايات متفرقة ومواقف دفاعية ظرفية، الأمر الذي جعلها أقل قدرة على فرض نفسها داخل السردية الحقوقية الوطنية والدولية.

اليوم، وبعد مرور سنوات على العديد من هذه التجارب، يطرح سؤال الذاكرة نفسه بإلحاح: هل يتعلق الأمر فقط بغياب التوثيق أم بغياب مشروع متكامل لتحويل المعاناة إلى قضية حقوقية عالمية؟.

المؤكد أن الذاكرة التي لا تُكتب غالبا ما تصبح عرضة للنسيان، وأن المعركة على الذاكرة لا تقل أهمية عن المعركة على الحقوق نفسها.

وبين أرشيف يساري متخم بالكتب والشهادات، وذاكرة إسلامية ما تزال تبحث عن من يكتبها ويوثقها ويدافع عنها، يستمر الصمت في ابتلاع جزء مهم من تاريخ الاعتقال السياسي بالمغرب.

لا توجد تعليقات:

للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.

أضف تعليقك