بقلم : علي تستاوت/خبير في الهندسة المدنية
لا تأتي التحولات الكبرى دفعة واحدة،
بل تتسلل بهدوء إلى تفاصيل الحياة اليومية، قبل أن نكتشف فجأة أنها أعادت ترتيب
الأولويات وغيّرت قواعد التفكير. وفي هذا السياق، لا يبدو التحدي الحقيقي في سرعة
التغيير بقدر ما يكمن في قدرتنا الجماعية على فهمه، ومواكبته، وتوجيهه بعقلانية
وهدوء، خصوصًا حين يتعلق الأمر بالتنمية المستدامة باعتبارها خيارًا استراتيجيًا
لا مجال للتراجع عنه.
يعيش المغرب اليوم مرحلة تتقاطع فيها رهانات
متعددة: تنموية، اجتماعية، بيئية، واقتصادية. وهي رهانات لا يمكن التعامل معها
بمنطق القطاع المنعزل، لأن ما يمس الماء يؤثر في الفلاحة، وما يخص الطاقة ينعكس
على الصناعة، وما يطال البيئة ينعكس مباشرة على جودة العيش والاستقرار الاجتماعي.
هذا التشابك يفرض مقاربة جديدة، تقوم على التفكير الأفقي، والتكامل بين السياسات،
بدل المعالجة المجزأة.
وفي أكثر من خطاب، وجّه وأطّر جلالة
الملك محمد السادس، نصره الله وأيّده، مختلف الفاعلين إلى اعتماد الوضوح في
الرؤية، والنجاعة في التنفيذ، وربط المسؤولية بالمحاسبة، مؤكدًا أن مواجهة
التحديات البنيوية لا تتم بردود فعل ظرفية، بل بتخطيط استراتيجي واستباقي،
وبالاعتماد على الكفاءات القادرة على تحويل التوجيهات إلى سياسات عمومية فعالة.
وتشكل هذه التوجيهات إطارًا ناظمًا للفعل العمومي، ودعوة صريحة إلى التفكير
الجماعي المسؤول.
في قضية الماء، لم يعد النقاش محصورًا
في الندرة أو الوفرة، بل أصبح مرتبطًا بنمط الاستعمال، ونجاعة التوزيع، والقدرة
على الاستباق. فالمغرب راكم تجربة مهمة في مجال السدود، وتحلية المياه، وإعادة
الاستعمال، غير أن المرحلة المقبلة تتطلب تعميق التفكير في مفهوم الأمن المائي،
وربطه بالتخطيط المجالي، وبالاقتصاد في الاستهلاك، وبالعدالة في التوزيع، انسجامًا
مع الرؤية الاستراتيجية طويلة المدى.
أما الطاقة، فقد تحولت من ملف تقني
إلى خيار سيادي. فالاستثمار في الطاقات المتجددة لا يقتصر على رفع القدرة
الإنتاجية، بل يشمل التكوين، والبحث العلمي، ونقل التكنولوجيا، وخلق قيمة مضافة
محلية. والتحدي اليوم يتمثل في ربط هذا الخيار بالتنمية الصناعية، وبفرص الشغل،
وبخفض الكلفة الطاقية، بما يعزز السيادة الاقتصادية ويضمن استدامة النمو.
ويظل الرأسمال البشري أحد أهم مفاتيح
النجاح. فالمغرب يتوفر على كفاءات وطاقات، داخل المملكة وخارجها، راكمت خبرات مهمة
في مجالات متعددة. غير أن تثمين هذه الكفاءات يمر عبر بناء جسور مؤسساتية مرنة،
تشجع على نقل المعرفة، وتربط المسؤولية بالاستحقاق، وتحوّل الخبرة إلى قوة اقتراح
ومرافعة هادئة داخل النقاش العمومي.
في البعد الاجتماعي، تطرح التحولات
المتسارعة سؤال التوازن والإنصاف. فكل إصلاح، مهما بلغت جودته التقنية، يحتاج إلى
مصاحبة اجتماعية قائمة على التواصل، والاستهداف الذكي، وضمان الكرامة. الدولة
الاجتماعية ليست شعارًا، بل مسار يتطلب وضوحًا في الاختيارات، وتدرجًا في التنفيذ،
وإشراكًا حقيقيًا للمجتمع.
أما الإيكولوجيا، فلم تعد موضوعًا
ثانويًا أو منفصلًا عن باقي السياسات، بل أصبحت إطارًا ناظمًا لها. فالربط بين
البيئة، والماء، والطاقة، والتخطيط الحضري، لم يعد خيارًا، بل ضرورة تفرضها
متطلبات الاستدامة وجودة الحياة. ويتطلب هذا التحول خطابًا علميًا هادئًا، يركز
على الحلول العملية، ويشجع السلوك المسؤول دون تهويل أو تبسيط مخل.
أمام هذه التحولات، يبرز دور
الفاعلين، من مؤسسات ونخب وخبراء، في تحويل التعقيد إلى فهم، والتغيير إلى فرصة.
ليس عبر الخطاب الانفعالي، ولا عبر الصمت، بل من خلال تحليل رصين، واقتراح حلول
تدريجية، والعمل بمنطق التكامل مع التوجهات الكبرى للدولة.
قد لا يكون التحدي الحقيقي في حجم
التحولات التي نعيشها، بل في كيفية استيعابها وتوجيهها. فحين ننجح في فهمها، تصبح
رافعة للتقدم. وحين نعجز عن ذلك، تتحول إلى مصدر قلق. وبين هذين الخيارين، يتحدد
مسار التنمية المستدامة، وتتجسد مسؤولية الجميع في هذه المرحلة الدقيقة.
ويأتي هذا الطرح في إطار قراءة
تحليلية عامة، تهدف إلى الإسهام في إغناء النقاش العمومي حول قضايا ذات مصلحة
وطنية، دون ادعاء الإحاطة أو الحلول الجاهزة، وبروح من المسؤولية والالتزام
بخيارات الدولة وثوابتها.
*****************
علي تستاوت
خبير في الهندسة المدنية
مدير مكتب للدراسات و الابحاث
باحث في قضايا التنمية المستدامة
والهندسة المرتبطة بالماء،الطاقة و الانتقال البيئي.
مستشار سابق بالهيئة الدولية
الدبلوماسية الموازية ببلجيكا
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك