بقلم:د. محمد أحدو
تضع الكوارث
الطبيعية العقد الاجتماعي للدول المعاصرة أمام محك حقيقي؛ إذ يُفترض نظريا أن تدار
الأزمات عبر مقاربة تشاركية تتكامل فيها الأدوار بين أضلاع الدولة الأربعة: المؤسسات
السيادية، الحكومة، الجماعات الترابية، والمجتمع المدني.
غير أن
المشاهد الميدانية الأخيرة القادمة من فيضانات الشمال (مدينة القصر الكبير
تحديداً) ومنطقة الغرب، تفرض علينا قراءة نقدية ودقيقة للواقع؛ حيث برزت "الدولة" بمؤسساتها
الأمنية، الترابية، العسكرية، والوقاية المدنية كفاعل حاسم واستباقي، جنب البلاد
وقوع خسائر في الأرواح رغم فداحة الأضرار الاقتصادية التي طالت الفلاحين
والممتلكات. في المقابل، اتسم حضور الأجهزة الحكومية والجماعات الترابية والفاعلين
المدنيين بالمحدودية والارتباك، مما كشف عن تباين بنيوي في موازين الكفاءة وسرعة
الاستجابة.
لقد أبانت
هذه الفيضانات عن كفاءة استثنائية للدولة في تجليها السيادي؛ إذ تصدرت المؤسسة
العسكرية والوقاية المدنية والسلطات الأمنية والترابية المشهد، مظهرة جاهزية غدت
اليوم نموذجاً يُحتذى به إقليمياً.
إن نجاح
الدولة في إجلاء وإيواء الآلاف عبر جسور برية وتغطية جوية، وتوفير الدعم اللوجستي
الفوري، لم يكن مجرد تدخل تقني عابر، بل كان تجسيداً لقدرة هذه المؤسسات على ملء
"الفراغ المؤسساتي" في لحظات الذروة. وبفضل الانضباط الصارم وسلسلة
القيادة الواضحة، استطاع الجيش والمؤسسات الأمنية تعويض نقص الإمكانيات لدى
القطاعات المدنية، مما رفع منسوب ثقة
المواطن في الأجهزة السيادية للدولة في التعاطي مع الحدث.
وفي مقابل
ذلك ، وُضع الجهاز التنفيذي (الحكومة) تحت مجهر المساءلة؛ حيث ظهرت محدوديته في
التدخل الاستباقي والميداني المباشر.
فضلاً عن الانهماك في الاستعدادات لـ"السنة الانتخابية" الراهنة،
قد أدى إلى ارتباك في الاستجابة اللحظية.
يقلص دور
الحكومة في "إدارة ما بعد
الكارثة" (جبر الضرر) بدلاً من المواجهة المباشرة أو التخطيط الوقائي المحكم
للواقعة . إن هذه المحدودية تكشف عن حاجة ماسة لتطوير "هندسة حكومية
للأزمات"، تمنح المواطن شعوراً بأن جهازه التنفيذي يمتلك رؤية قادرة على
حمايته قبل وقوع الاخطار المحدقة به ، وليس الاكتفاء بإحصاء الخسائر بعد فوات
الأوان.
على صعيد
آخر، سجلت الجماعات الترابية المعنية بالازمة في مجالها ترابي عجزاً واضحاً في إدارة الأزمة وتوقعها
القبلي ضمن مقرراتها ودوراتها من خلال مقترحاتها ، خاصة في شقها الاستباقي المتعلق
بتنظيم مجالها الترابي المهدد بالفيضانات.
ويتجلى ذلك
في استمرار منح تراخيص البناء في الأحواض المائية وممرات الأودية بمجالها الترابي
المهدد بالفيضانات ، وتجاهل "الدورة المائية" الطبيعية التي لا تنسى
مجاريها مهما طال الزمن.
وعلى نفس
النسق، لوحظ خفوت لافت في دور المجتمع المدني؛ فرغم الرصيد القوي من قيم التضامن
المتجذرة في الشخصية المغربية، إلا أن الحضور الجمعوي في مناطق القصر الكبير و
منطقة الغرب ظل محدوداً، وافتقر إلى الجوانب التقنية والإنقاذية، بعيداً عن
الدينامية التي شهدناها إبان "زلزال الحوز".
إن غياب
التأطير الاحترافي للمتطوعين وضعف الوسائل التقنية حصر دور المجتمع المدني في
"الإغاثة البسيطة" وتوزيع بعض المؤن او المساعدة في الايواء للنازحين
بمبادرات فردية محدودة جدا ، بينما ظلت العمليات الميدانية المعقدة حكراً على
القوى السيادية، مما يعيق تحول الفاعل المدني إلى شريك استراتيجي في "حوكمة
المخاطر".
إن دروس
فيضانات الشمال والغرب تؤكد نجاعة تدخل الدولة باجهزتها العسكرية والامنية
والترابية والانقاذية في تعاطي مع هاته
الفيضانات ، لكنه نجاح يكشف في طياته عن ضعف "المرونة الجماعية" لباقي
الشركاء. إن قوة الدولة المعاصرة لا تكتمل إلا بجسر الفجوة بين نجاعة المؤسسة
التابعة للدولة في شقها العسكري والامني والترابي وهشاشة المؤسسات المدنية
والمحلية.
فالضرورة تقتضي اليوم نقل "عدوى الكفاءة" من مراكز القرار السيادي إلى
الأجهزة التنفيذية والمنتخبة ( حكومة ، برلمان، جماعات ترابية) ، لضمان صمود وطني شامل لا يتكئ على طرف واحد،
بل ينهض بتكامل أضلاعه الأربعة (الدولة، الحكومة ، البرلمان و الجماعات الترابية، والمجتمع
المدني) في مواجهة تقلبات المناخ وادارة الكوارث و تحقيق الاقلاع المنشود ، فالمغرب
يحتاج الى فاعلين مدنيين ( سياسيين وجمعويين) حقيقين قادرين على رفع التحدي لتحقيق
ما يصبوا اليه بلدنا من تنمية وتطور تلك هي بعض الاستنتاجات حول هاته الأزمة
الظرفية .
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك