بقلم : سمير بوزيد
مهتم
بقضايا الفساد و حماية المال العام بالمغرب و محاربة الفساد
مما لا شك
فيه أن ملف مكافحة الفساد في المغرب يمثل واحدة من أبرز المفارقات المؤسسية في
العقد الأخير. فبينما تشهد الموارد المؤسسية نمواً لافتاً - بارتفاع ميزانية
الهيئة الوطنية للنزاهة بنسبة 183% لتصل إلى 198 مليون درهم (2023) وزيادة عدد
موظفيها بنسبة 56.8% - تسجل المؤشرات الدولية تراجعاً مستمراً. وعلى العكس من ذلك
تماماً، يخسر المغرب نقطة إضافية في مؤشر مدركات الفساد ليصل إلى 37/100 (2024)،
بعد أن كان 43/100 (2018)، ويهبط إلى المرتبة 99 عالمياً، فاقداً 26 مركزاً خلال
ست سنوات.
وتأسيساً على
ذلك، يبرز سؤال مركزي: كيف نفسر التناقض الصارخ بين تعزيز الإطار المؤسسي واستمرار
تدهور الواقع الميداني، حيث يعود المغرب إلى نفس مستوى عام 2012؟
استناداً إلى
ما سبق، تظهر صورة قاتمة على المستوى الدولي. فبعد حصوله على 37/100، أصبح المغرب
أدنى من متوسط الدول العربية (38/100) لأول مرة، حسب منظمة الشفافية الدولية
(2024). وتجدر الإشارة إلى أن هذا التراجع جزء من تدهور شامل في مؤشرات أخرى:
· مؤشر سيادة
القانون: تراجع من المرتبة 47 (2015) إلى 95 (2024) في "غياب الفساد"
· مؤشر
التحول السياسي: انخفض من المرتبة 74 (2006) إلى 106 (2024)
· مؤشر مخاطر
الرشوة: 56/100، أعلى من المتوسط العالمي (48.74)
ولتوضيح ذلك
على المستوى الوطني، يكشف البحث الوطني (2023) أن 75% من المقاولات ترى قطاع الصحة
الأكثر تضرراً، يليه التعليم ثم المشتريات العمومية. ومن هذا المنطلق، يتبين أن
الفساد ليس ظاهرة عابرة بل بنية متجذرة في القطاعات الحيوية.
فضلاً عن
ذلك، على المستوى المحلي، تسجل الجماعات الترابية أعلى نسبة في الشكايات (25 حالة
عام 2023)، مما يؤكد أن الفساد اليومي - المتمثل في الرشاوى الصغيرة - يظل الأكثر
إيلاماً للمواطن.
مما لا شك
فيه أن الاستراتيجية الوطنية (2015-2025) تواجه إشكالات بنيوية جعلت أهدافها
"بعيدة المنال"، كما وصفها التقرير الرسمي. بل إن التقييم المرحلي وصف
الحصيلة بأنها "محدودة الأثر ومجزأة".
وتأسيساً على
ذلك، تبرز ثلاثة إشكالات رئيسية:
✓ اللجنة الوطنية
لم تنعقد منذ فبراير 2019، وانسحبت "ترانسبرانسي المغرب" منها احتجاجاً
(2025)
✓ 85% من الشكايات
تُحفظ لعدم استيفاء الشروط
✓ معالجة طلبات
المعلومات تستغرق 72 يوماً، رغم الأجل القانوني البالغ 15 يوماً
وعلى العكس
من ذلك مما يُروج، تظهر الأرقام محدودية فعالية الآليات:
· الخط
المباشر (110): 69,850 مكالمة (2018-2022) أنتجت 243 عملية ضبط فقط (بنسبة نجاعة
0.35%)
· القضاء
المالي: استرداد 19.9% فقط من الأموال المقضى بها (1.14 مليون من 5.77 مليون درهم)
تماشياً مع
ما تم ذكره، يمتلك المغرب إطاراً تشريعياً متقدماً يشمل القوانين 46.19 و61.20
و31.13 والدستور (الفصول 36، 107، 110، 117، 148). وتجدر الإشارة إلى إنجازات دولية
كالانضمام إلى اتفاقيتي مجلس أوروبا (2023).
وعليه، لا
مناص من القول بأن المشاريع التشريعية الأساسية متعثرة:
1. قانون
تجريم الإثراء غير المشروع: سُحب من البرلمان (اعتبرته "ترانسبرانسي"
سبباً رئيسياً للتراجع)
2. قانون
استغلال الملك العام: سُحب رغم أهميته
3. قانون
التصريح الإجباري: مسودة تحقق 71% من المعايير
4. مدونة
السلوك: متوقفة منذ 2018
واستخلاصاً
لما سلف، تنطوي وجهة النظر هاته على ضرورة إصلاح يقوم على ست ركائز:
1. التربية
والتكوين: إدماج قيم النزاهة
2. الوقاية
والشفافية: تفعيل ميثاق المرافق
3. تحسين
الخدمات: تبسيط المساطر
4. الحكامة
الجيدة: تعزيز نزاهة القطاع الخاص
5. التشريعات
الرادعة: إصدار القوانين المهيكلة
6. الحياة
السياسية: نزاهة الانتخابات وتمويل الأحزاب
ومن هذا
المنطلق، تشمل الآليات التنفيذية:
· تفعيل
اللجنة الوطنية (مطلب "ترانسبرانسي" للعودة)
· إصدار
قانون حماية المبلغين بضمانات فعلية
· دليل علمي
لتقييم الأثر (بشراكة مجلس أوروبا)
· توظيف
الذكاء الاصطناعي لتحليل أنماط الفساد
· تقنية
البلوك تشين في الصفقات العمومية
· حملات
توعوية مكثفة
وتنطوي وجهة
النظر هاته على أن الفساد يمثل معضلة مؤسسية وثقافية، حيث:
· زيادة
الموارد المؤسسية لم تترجم إلى تحسن في المؤشرات
· جمود في
المكافحة رغم الدينامية المؤسسية
· نسبة
التبليغ 3% رغم ارتفاع الشكايات بنسبة 63.46% (2023)
· إطار
قانوني متطور لكن تنفيذه ضعيف
ولا مناص من
القول بأن النقاط الإيجابية تتمثل في:
· هيئة وطنية
مستقلة تستعد لاستراتيجية 2025-2030
· إطار
دستوري وقانوني متطور
· انضمام إلى
اتفاقيات دولية ومشاركة في COP11 للأمم
المتحدة
وجدير بالذكر
أن التحديات الرئيسية تشمل:
*ضعف الإرادة
السياسية (سحب قوانين محورية)
*ثقافة
التردد في التبليغ
* فجوة بين
التشريع والتطبيق
* قمع متزايد
للمطالبين بالمساءلة (تقرير الشفافية 2024)
وعليه، نقدم
التوصيات الاستراتيجية:
- تفعيل فوري
للجنة الوطنية كشرط لاستعادة الثقة
- إعادة
إدراج قوانين الإثراء واستغلال الملك العام فوراً
-إصدار سريع
لقوانين التصريح بالممتلكات وتنازع المصالح
- تعزيز
الشفافية الرقمية بمنصات موحدة
- حملات
توعوية تستهدف القطاع الخاص (3% فقط يعرفون الهيئة)
- تعزيز
التعاون الدولي والاستفادة من تجارب ناجحة
- إصدار
تقارير شفافة دورية عن التقدم في المؤشرات
- ربط
الموارد بالنتائج عبر مؤشرات أداء قابلة للقياس
وخلاصة القول
أن معركة مكافحة الفساد في المغرب هي معركة مؤسسية وثقافية وزمنية. السؤال المحوري
لـ"ترانسبرانسي المغرب" (2025) يظل قائماً: "من الذي يمنع المملكة
من التحرك الجدي؟"
النجاح مرهون
بإرادة سياسية غير قابلة للتراجع، وتنسيق مؤسسي فعال، ومشاركة مجتمعية واسعة.
الأرقام والمؤشرات تقدم خريطة طريق واضحة، والسؤال الأخير: هل ستكون هناك إرادة
كافية لتحويل التشخيص إلى فعل، والورق إلى واقع ملموس؟
كلمة أخيرة:
الفساد ليس قدراً محتوماً، والإصلاح ليس مستحيلاً. التجارب الدولية تثبت أن
الشفافية والحماية والرقابة المجتمعية يمكن أن تشكل مثلثاً ذهبياً للإصلاح. المغرب
أمام استحقاق تاريخي: إما أن يتحول التحدي إلى فرصة للإصلاح الحقيقي، أو يستمر في
دوامة التراجع التي تهدد مكتسبات التنمية والاستقرار. الخيار الآن بين البقاء في
مربع التشخيص أو الانتقال إلى فضاء الفعل.
المراجع
الببليوغرافية الرئيسية:
1. الهيئة
الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة (2023). التقرير السنوي 2023
2. منظمة
الشفافية الدولية (2024). مؤشر مدركات الفساد 2024
3.
ترانسبرانسي المغرب (2025). بيان الانسحاب من اللجنة الوطنية
4. المجلس
الأعلى للحسابات (2023). التقرير السنوي عن القضاء المالي
5. البحث
الوطني حول الفساد (2023). الهيئة الوطنية للنزاهة
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك