بنكيران يشكك في نتائج الانتخابات ويختار المعارضة و هل نحن أمام عودة سياسية أم بداية مواجهة جديدة

بنكيران يشكك في نتائج الانتخابات ويختار المعارضة و هل نحن أمام عودة سياسية أم بداية مواجهة جديدة
أقلام حرة / الجمعة 25 شتنبر 2026 / لا توجد تعليقات:

أنتلجنسيا المغرب: فهد الباهي/م.إيطاليا

تصريحات عبد الإله بنكيران، الأمين العام لحزب العدالة والتنمية، عقب الإعلان عن نتائج الانتخابات التشريعية التي جرت يوم 23 شتنبر 2026، لا يمكن التعامل معها باعتبارها مجرد رد فعل عابر على نتائج اقتراع لم تأت كما كان ينتظر حزبه، خصوصًا أن الرجل اختار أن يعلن أمام الأمانة العامة لحزبه موقفًا سياسيًا واضحًا من النتائج ومن الحكومة المقبلة، إذ استبعد مشاركة حزبه في حكومة يقودها حزب الأصالة والمعاصرة، مفضلًا البقاء في المعارضة، بينما أظهرت النتائج التي أعلنتها وزارة الداخلية تصدر حزب الأصالة والمعاصرة بـ97 مقعدًا، مقابل 54 مقعدًا لحزب العدالة والتنمية، مع تسجيل نسبة مشاركة وطنية بلغت 38,02 في المائة.

الأكثر إثارة في موقف بنكيران ليس فقط رفضه المشاركة في حكومة يقودها حزب الأصالة والمعاصرة، وإنما تشكيكه في النتيجة النهائية وتمسكه بأن حزبه كان يستحق المرتبة الأولى، وهو موقف يستند بحسب ما نقلته وسائل الإعلام إلى المعطيات الأولية والمحاضر التي توصل بها الحزب خلال عملية الفرز، فقد سبق لبنكيران أن تحدث مباشرة بعد الاقتراع عن تصدر العدالة والتنمية لعدد من الدوائر، كما انتقد عدم تسليم بعض محاضر التصويت لمراقبي الأحزاب، وهو ما يفسر جزئيًا انتقال الحزب من أجواء الاحتفال بالنتائج الأولية إلى الاعتراض السياسي على النتيجة الإجمالية المعلنة لاحقًا.

أما الحديث عن طنجة باعتبارها مثالًا على ما يعتبره بنكيران تزويرًا، فيحتاج إلى قدر كبير من التمييز بين وجود وقائع أو مخالفات انتخابية محلية وبين إثبات أن النتيجة الوطنية تعرضت للتزوير، فقد شهدت طنجة بالفعل واقعة أثارت جدلًا واسعًا وتداولت بشأنها مقاطع فيديو ومعطيات على منصات التواصل، لكن حزب الأصالة والمعاصرة رد على الواقعة ورفض ما وصفه بالحملة المفتعلة، كما أن وزارة الداخلية أعلنت أن عملية التصويت جرت في ظروف عادية باستثناء أحداث معزولة قالت إنها لم تؤثر في سير العملية الانتخابية، وبالتالي فإن الانتقال من واقعة محلية مثار جدل إلى استنتاج يشمل جميع الدوائر والمكاتب يحتاج إلى أدلة مستقلة وموثقة تتجاوز التصريحات السياسية.

وهنا تكمن حساسية تصريحات بنكيران، لأن التشكيك في نزاهة الانتخابات ليس موقفًا سياسيًا عاديًا عندما يصدر عن أمين عام حزب حصل رسميًا على 54 مقعدًا وعاد بقوة إلى مجلس النواب بعد حصيلة 2021، فمثل هذا الكلام يمكن أن يفتح نقاشًا واسعًا حول الثقة في المؤسسات والعملية الانتخابية، وفي الوقت نفسه فإن حق أي حزب في الاعتراض على النتائج أو الطعن في وقائع انتخابية محددة يظل جزءًا من العمل السياسي والقانوني، ولذلك فإن الفيصل في مثل هذه الحالات لا ينبغي أن يكون قوة الخطاب السياسي أو حجم انتشاره، وإنما المحاضر الرسمية والمساطر القانونية والجهات المختصة القادرة على فحص الاعتراضات وتحديد ما إذا كانت هناك مخالفات أثرت فعلًا في النتائج.

ومن اللافت أن بنكيران لم يكتف بتسجيل اعتراضه على النتائج، بل ربط موقفه من الحكومة المقبلة بما يعتبره قراءة سياسية لهذه الانتخابات، إذ أعلن أنه لا يرى إمكانية مشاركة حزبه في حكومة يقودها الأصالة والمعاصرة، وفضل البقاء في المعارضة، مع ترك الباب مفتوحًا أمام القرار الذي قد تتخذه مؤسسات الحزب، بل تحدث عن إمكانية عقد مؤتمر وطني إذا اختار المكتب السياسي توجهًا مختلفًا، وهذا يكشف أن المسألة بالنسبة إلى العدالة والتنمية ليست فقط عدد المقاعد المحصل عليها، وإنما أيضًا كيفية ترجمة العودة البرلمانية القوية إلى موقع سياسي داخل المشهد الجديد.

وتزداد أهمية هذا الموقف إذا وضعنا أرقام 2026 بجانب نتائج 2021، فالعدالة والتنمية الذي حصل في الانتخابات السابقة على ثمانية مقاعد فقط، رفع رصيده هذه المرة إلى 54 مقعدًا وفق النتائج التي أعلنتها وزارة الداخلية، أي أنه عاد إلى الواجهة البرلمانية بقوة من الناحية العددية، لكن هذه العودة لا تعني تصدر الانتخابات، فالترتيب الرسمي وضع الأصالة والمعاصرة أولًا بـ97 مقعدًا، يليه التجمع الوطني للأحرار بـ66 ثم الاستقلال بـ65، وبعدها العدالة والتنمية بـ54، ولذلك فإن القراءة السياسية الأدق هي أن الحزب حقق استعادة كبيرة مقارنة بنتيجته السابقة، مع بقائه في المرتبة الرابعة وفق النتائج الرسمية.

أما الربط بين هذه العودة وبين عبد الإله بنكيران فيحتاج بدوره إلى قراءة متأنية، لأن الانتخابات أثبتت أن الحزب تمكن من استعادة جزء مهم من حضوره الانتخابي، لكن تحديد حجم تأثير شخص واحد في هذه النتيجة يظل مسألة تحليلية لا يمكن إثباتها بمجرد مقارنة الأرقام، فالحملة الانتخابية والمرشحون والتنظيم المحلي والظروف الاجتماعية والاقتصادية ومواقف الناخبين كلها عوامل يمكن أن تتداخل في تفسير النتيجة، كما أن القول بأن الحزب كان يحتاج فقط إلى بنكيران يتجاهل أدوار المؤسسات الحزبية والمرشحين والتنظيم الانتخابي والظروف السياسية التي رافقت استحقاقات 2026.

ومن المفيد في هذا السياق استحضار أن داخل العدالة والتنمية نفسه كانت هناك في السنوات السابقة قراءات متباينة بشأن مستقبل الحزب بعد انتخابات 2021، كما ظهرت تصريحات من شخصيات سابقة في الحزب تنتقد تجربته وتعتبر أن مرحلة معينة منه انتهت، غير أن نتيجة 2026 أظهرت بوضوح أن الحزب لم يختف من الخريطة السياسية، بل عاد إلى مجلس النواب برصيد 54 مقعدًا، وهذه العودة لا تعني بالضرورة عودة الحزب إلى موقعه السابق في قيادة الحكومة، لكنها تؤكد أن قياس قوة الأحزاب السياسية لا يمكن أن يبنى فقط على نتيجة انتخابية واحدة وأن التحولات الانتخابية يمكن أن تعيد تشكيل المشهد خلال فترة قصيرة.

وتبقى النقطة الأكثر حساسية في المشهد هي العلاقة بين المعارضة والشرعية الانتخابية، فإذا اختار بنكيران بالفعل قيادة حزبه من موقع المعارضة، فإن ذلك سيمنح العدالة والتنمية فرصة للتركيز على مراقبة الحكومة ومساءلتها داخل البرلمان، بينما سيظل ادعاء تصدر الانتخابات ملفًا يحتاج إلى إثبات مؤسساتي إذا أراد الحزب تحويله من موقف سياسي إلى طعن انتخابي قابل للفحص، وفي المقابل فإن الحكومة المقبلة ستكون مطالبة بالتعامل مع نتائج الاقتراع باعتبارها معطى رسميًا، مع ترك المجال مفتوحًا أمام المساطر القانونية لمن يرى أن هناك خروقات أثرت في نتائج دوائر معينة.

فإن انتخابات 23 شتنبر 2026 أفرزت مشهدًا مركبًا لا تختصره عبارة فوز حزب أو عودة حزب آخر، فالأصالة والمعاصرة تصدر النتائج الرسمية بـ97 مقعدًا، والعدالة والتنمية عاد بقوة إلى البرلمان بـ54 مقعدًا، وبنكيران اختار خطابًا سياسيًا يشكك في النتيجة الوطنية ويرفض في الوقت نفسه المشاركة في حكومة يقودها الحزب المتصدر، وبين هذه المعطيات تبقى المسألة الأهم هي أن الخلاف حول نزاهة الانتخابات ينبغي أن ينتقل، متى توفرت اعتراضات محددة، من المنابر والتصريحات إلى الأدلة والمحاضر والمساطر القانونية، لأن الثقة في الانتخابات لا تُبنى فقط بالنتائج التي تعلنها المؤسسات ولا بتصريحات الأحزاب، وإنما كذلك بقدرة المؤسسات والقوانين على فحص الاعتراضات والفصل فيها بصورة واضحة أمام الرأي العام.

لا توجد تعليقات:

للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.

أضف تعليقك