مريم الإدريسي تكتب:الاتحاد الاشتراكي بين مسؤولية القيادة والهشاشة السياسية وضرورة تجديد المشروع

مريم الإدريسي تكتب:الاتحاد الاشتراكي بين مسؤولية القيادة والهشاشة السياسية وضرورة تجديد المشروع
أقلام حرة / السبت 03 أكتوبر 2026 / لا توجد تعليقات:

بقلم:د/مريم جمال الإدريسي

لا يمكن قراءة أزمة الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية من خلال عدد المقاعد التي خسرها وفقط.. فالنتيجة الانتخابية، مهما كانت دلالتها، لا تختزل حصيلة حزب ولا تكفي، بمفردها، لتفسير مساره. قد تتراجع الأحزاب بفعل تحولات المشهد السياسي، وتغير سلوك الناخبين، وضعف المشاركة، وتأثير المال والنفوذ، غير أن استحضار هذه العوامل لا ينبغي أن يتحول إلى وسيلة لدرء الاختلالات الداخلية أو تأجيل المحاسبة بعد ربطها بحجم وموقع المسؤولية.

من هذا المنطلق والمبتدأ، لا أرى في خسارة ثمانية مقاعد منبعا للأزمة، بل مصبا للعلامات الكاشفة لها. وعليه، فإن ما يستدعي التقييم هو حصيلة ممتدة لسنوات، تتداخل فيها مظاهر التراجع التنظيمي، ومغادرة الأطر، وضعف الإشعاع الفكري، وغياب المثقف الحزبي، والتوتر الداخلي، والجدل حول التزكيات، وتآكل الثقة التي كانت تربط شرائح من المجتمع بالحزب. لذلك، فإن السؤال يتجاوز الخسارة العددية إلى قدرة الاتحاد على الحفاظ على هويته ومصداقيته وصلته بالمواطنات والمواطنين، وعلى رصيده من القوات الشعبية.

كان الانتماء إلى الاتحاد يحمل معنى يتجاوز الحساب الانتخابي. وكان التصويت له، بالنسبة إلى الكثيرين، تعبيرا عن الثقة في تاريخ وقيم ومشروع وفكر، وعن ارتباط وجداني بحزب راكم النضال والتضحية. أما حينما يصبح البحث عن الأعيان وأصحاب المال والجاه بديلا عن بناء التنظيم وإنتاج النخب، فإن الحزب يخاطر بفقدان ما يميزه، من دون ضمان مكاسب انتخابية تعوض هذا الفقدان. لا يمكن استعادة ثقة المواطنين بمجرد استقطاب أسماء جديدة إذا ظلت أسباب ابتعادهم قائمة.

وتستدعي التجربة الأخيرة للاتحاد في المعارضة تقييما موضوعيا وصريحا بدورها وأثرها. ففي تقديري المتواضع، لم تستثمر هذه التجربة بما يكفي لإعادة بناء الثقة وتجديد الحضور السياسي وترسيخ صورة الحزب بوصفه قوة اقتراحية ورقابية تحمل بديلا اجتماعيا واضحا. كان موقع المعارضة فرصة لاستعادة القرب من المجتمع، والإنصات إلى انتظارات المواطنات والمواطنين، وترجمة انشغالاتهم إلى مبادرات ومواقف متواصلة، لكن الحزب لم يحول هذه الفرصة إلى رصيد سياسي وتنظيمي يعزز مكانته، بل جعلها تجربة باردة وضائعة لم يتحقق فيها التواصل مع المواطنات والمواطنين فزادت المسافة فصلا بينهم وبين الحزب، وأضعفت وضوح المواقف والقدرات على الإقناع بجدوى مشروعه. فالمعارضة لا تقاس بالحضور البرلماني وحده، بل بامتدادها داخل المجتمع، وقدرتها على الدفاع عن مصالح الناس وصياغة أجوبة مقنعة عن مشكلاتهم. وحين يضعف هذا الامتداد، تتآكل الثقة، ويصبح الخطاب السياسي أقل تأثيرا مهما كانت قوة مرجعيته التاريخية، بل يزداد الأمر سوءا حين يدرك غير العارف قبل العارف، بأن المعارض بالموقع، كان متوددا ومتسولا لرضا الحكومة.

وزادت الاختيارات والممارسات التي أثارت انتقادات وتداولا إعلاميا خلال المرحلة السابقة، وحسبت على الحزب، من إضعاف صورته ومصداقيته. وكان المطلوب مواجهتها بالتوضيح والتقييم وتصحيح المسار، حتى لا تتراكم آثارها على علاقة الاتحاد بالمجتمع. وفي قراءتي، فإن عدم استثمار تجربة المعارضة إيجابيا، إلى جانب ضعف التواصل وتراكم الأخطاء، وتسيد التلاعب والتمويه، أسهم في وضع الحزب في حالة من الهشاشة السياسية: ضعف في التأثير والمبادرة، وتراجع في الثقة، وصعوبة في تحويل المواقف إلى حضور مجتمعي وانتخابي مستدام. وهي هشاشة تتجاوز عدد المقاعد، وتمس قدرة الحزب على أداء دوره وإثبات جدوى وجوده السياسي، ليبيت الأمر أزمة وجودية وتشوه هوية.

هذه الحصيلة تضع مسؤولية القيادة في صلب النقاش. فالكاتب الأول ليس مسؤولا عن كل تفصيل، لكنه يظل المسؤول السياسي الأول عن الاختيارات الكبرى وعن طريقة تدبير الحزب. لا يستقيم أن تمنح القيادة صلاحيات واسعة في التزكيات والتحالفات والخطاب السياسي، ثم تصبح المسؤولية موزعة على الجميع بمجرد ظهور نتائج تستدعي المساءلة.

وبالمقابل، فإن تحميل إدريس لشكر المسؤولية الأولى لا يعفي المكتب السياسي والمجلس الوطني والكتابات الجهوية والإقليمية من مسؤولياتها. فالمؤسسات التي تصمت، أو تزكي اختيارات لا تناقشها بجدية، أو تتخلى عن أدوارها الرقابية، تساهم في تكريس الأزمة. المسؤولية الجماعية يجب أن تتيح تحديد نصيب كل طرف منها، وأن تكون موضوع نقد ذاتي، لا أن تتحول إلى صيغة يختفي داخلها المسؤول الأول.

ومن هنا، فإن الدعوة إلى الاستقالة ليست انتقاما ولا حكما أخلاقيا على الأشخاص، ولا انفعالا وقتيا، وإنها موقف سياسي وتدبير إصلاحي، يستند إلى ثقافة تحمل المسؤولية، ويفترض أن تجديد القيادة قد يفتح الطريق أمام مراجعة أوسع. فالحزب لا يمكن أن يطالب المجتمع بربط المسؤولية بالمحاسبة، ثم يعطل هذا المبدأ داخل مؤسساته، كما عطل ويعطل الحق في التعبير، وفي الانتقاد السياسي ويسيء للمنهج الديمقراطي...

إن الوصول إلى القيادة عبر المؤتمر والإجراءات القانونية الداخلية قد يمنح شرعية تنظيمية، لكنه لا يمنح حصانة سياسية دائمة. شرعية الانتخاب تختبر بالممارسة، وباحترام المؤسسات، وبالقدرة على الاستماع إلى النقد وتصحيح الاختيارات. ولا يكفي الاحتجاج بنتائج المؤتمرات لإغلاق النقاش حول استقلالية القرار، وشروط المنافسة الداخلية، وفعالية الرقابة التي يمارسها المجلس الوطني وباقي الأجهزة التنظيمية. فالمؤسسات تستمد قوتها من قدرتها على أداء وظائفها ومن استقلالية نقاشها وقراراتها.

وهنا لابد من شد الانتباه إلى معضلة استمرار مغادرة المناضلات والمناضلين والكفاءات للحزب من منطلق الغضب أو من ويلات التهميش، وهو ما يعد مؤشرا يستحق التوقف عنده. ليس كل مغادر ضحية، ولا كل معترض مقصي، لأن كل الأحزاب تعرف صراعات ومنافسات حول المواقع. لكن حين تتكرر المغادرات، وتتسع لتشمل فئات وتجارب مختلفة، يصبح السؤال متعلقا بقدرة التنظيم على احتضان أعضائه وتدبير الاختلاف واحترام كرامتهم، بدل نعثهم بأبشع الأوصاف وأقدحها.

الحزب القوي لا يقاس فقط بمن يستقطبهم قبيل الانتخابات، بل بقدرته على الحفاظ على أطره، وإشراكها، وفتح فرص العمل والمسؤولية أمامها. والاتحاد، الذي كان مدرسة لإنتاج النخب، مطالب بأن يسائل نفسه حين يشعر بعض أبنائه بأن مكانهم يضيق داخله، بينما تتسع أبوابه لبدلاء جاهزين من خارجه. فتجديد الحزب يبدأ بإعادة الاعتبار لمناضليه وكفاءاته، وبناء علاقة تقوم على المشاركة والثقة والاحترام.

ويزداد هذا السؤال إلحاحا عندما يتعلق الأمر بالتزكيات. لقد أثرت، من داخل الحزب، معطيات وشبهات رأيت أنها تستحق تحقيقا مؤسساتيا مستقلا ونزيها، ومنها ما يتعلق بمطالبة مرشحات بتحديد المبالغ التي يمكن أن يساهمن بها، وما جرى تداوله بشأن مبالغ مرتبطة ببعض الترشيحات. لم أقدم ذلك باعتباره إدانة ثابتة، ولم أدع امتلاك سلطة إصدار الأحكام، بل طالبت بالتحقق وتوضيح المسؤوليات، فإذا بسوط اللوم والغضب يتجه نحو التساؤل المشروع بدل الجواب عليه بالحجة الدامغة والدليل القوي.

الجواب الذي يحمي الحزب هو الكشف عن معايير الترشيح، وطريقة اشتغال اللجان، والجهات التي اقترحت الأسماء واتخذت القرارات، مع توضيح طبيعة المساهمات المالية وكيفية تدبيرها. فإذا كانت الإجراءات سليمة، فإن التحقيق يعزز الثقة فيها، وإذا كشف اختلالات، فإن المحاسبة تصبح ضرورية. سمعة الحزب تصان بمعالجة الشبهات، وبتمكين مؤسساته ومناضليه من أجوبة واضحة، لا تخوينهم ونزع صفة انتمائهم.

غير أن النقد لا يكتمل من دون مساءلة المعارضة الداخلية نفسها. فقد اكتفى جزء منها، أحيانا، برفض القيادة القائمة، من دون بلورة مشروع متكامل لما بعدها. تغيير الأشخاص وحده لا يضمن تغيير الممارسة، وقد يعيد إنتاج الأزمة إذا ظلت قواعد التدبير والعلاقات داخل التنظيم على حالها، وهو الحال المدمي لقلوب الأوفياء، والمهلك لآمال الأتقياء، بما صار فيه من تشويه اصطلاحي ومفاهيمي للممارسة السياسية من داخل الحزب، حيث سادت وتسيدت الكولسة والمراوغة على حساب القيم المرجعية والمبادئ الأساسية.

فالمطلوب اليوم، هو مشروع يحدد كيف تستعاد الديمقراطية الداخلية، وكيف تختار الكفاءات والمرشحات والمرشحون، وكيف تضمن شفافية التمويل، وكيف يستعيد الشباب والنساء دورهم في القرار. والمطلوب أيضا خطاب يساري حديث، قريب من التحولات الاجتماعية ومن قضايا المواطنين، يعيد للحزب استقلالية اختياراته ومصداقيته في الدفاع عن العدالة الاجتماعية، ويمنحه وضوحا في موقعه السياسي وفي علاقته بالمعارضة والتحالفات والمشاركة الحكومية.

وهنا لا بأس من تحميل الحراك التصحيحي، مسؤولية الانتقال من الاحتجاج المتفرق إلى التنظيم والاقتراح، وتحميل القيادة مسؤولية ضمان حق الاختلاف وفتح فضاءات التعبير والتأثير. فلا يمكن مطالبة الأصوات الناقدة ببناء بديل، ثم تضييق المجالات التي تسمح لها بالمساهمة فيه. والحركة التصحيحية التي نحتاجها ينبغي أن تعمل على تصحيح المسار، واستعادة القرار، وصون كرامة الاتحاديات والاتحاديين، وأن تقدم تصورا قابلا للنقاش والتطبيق، يتجاوز الاعتراض على الأشخاص إلى إصلاح المؤسسة.

فقد تغيرت البنية الاجتماعية، وتراجعت أدوار بعض الوسائط التقليدية، وتبدلت لغة الشباب وأشكال مشاركتهم، وبرزت قضايا تتطلب أجوبة جديدة. لكن هذه التحولات لا تعفي الاتحاد من مساءلة اختياراته. فحزب راكم تجربة المعارضة والحكومة والتناوب، ويحمل إرث عبد الرحيم بوعبيد وعبد الرحمن اليوسفي وعمر بنجلون، وتجارب قيادات ومناضلين أسهموا في مساره، يملك رصيدا يفرض عليه مسؤولية مضاعفة في التجدد والعودة إلى المجتمع.

ولهذا، لا أعتقد أن استقالة إدريس لشكر ستعيد الحزب، تلقائيا، إلى قوته السابقة. المجتمع تغير، والناخب تغير، وأدوات التواصل وموازين القوى تغيرت. لكن الاستقالة قد تكون بداية انتقال ضرورية إذا رافقها إصلاح حقيقي: مؤتمر تتوافر فيه شروط الاستقلالية والمنافسة، ومراجعة للقوانين الداخلية، وشفافية في العضوية والتمويل والتزكيات، وإعادة الاعتبار للجهات والقطاعات والنساء والشباب والكفاءات، مراجعة الالتزام بالمرجعية الأيديولوجية، والانضطاب للقيم والمبادئ والأخلاق السياسية.

الغاية هي بناء اتحاد المستقبل بروح قيمه التاريخية وأدوات عصره، حزب يجدد مشروعه، ويستعيد حضوره بين المواطنين، ويترجم العدالة الاجتماعية إلى مواقف واقتراحات وممارسة تنظيمية مقنعة. وهذا يقتضي معالجة أسباب الهشاشة السياسية، واستعادة التواصل المستمر مع المجتمع، وجعل العمل الحزبي فعلا يوميا صادقا وحقيقيا يتجاوز الخطب الموسمية او تلك التي تعد مدخلا لجني غنائم شخصية.

لا توجد تعليقات:

للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.

أضف تعليقك