حين يصمت منبر المسجد عن النزوح الجماعي لستبة و قضايا الناس

حين يصمت منبر المسجد عن النزوح الجماعي لستبة و قضايا الناس
أقلام حرة / الثلاثاء 11 غشت 2026 / لا توجد تعليقات:

أنتلجنسيا المغرب: فهد الباهي/م.إيطاليا

تُعد وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية من أكثر القطاعات حساسية في الدولة المغربية، ليس فقط لارتباطها بتدبير الشأن الديني، وإنما أيضاً لكونها تتعامل بشكل يومي ومباشر مع ملايين المواطنين داخل المساجد، حيث يلتقي المغاربة خمس مرات في اليوم لأداء الصلوات، ويلتقيون بشكل أوسع في صلاة الجمعة التي تمثل مناسبة أسبوعية نادرة للتواصل مع شرائح اجتماعية واسعة ومتنوعة، ومن هذه الزاوية فإن المسجد لا يمكن النظر إليه باعتباره فضاء للعبادة بمعناها الضيق فقط، بل هو مؤسسة لها حضور عميق في وجدان المجتمع وحياته اليومية.

لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو مدى قدرة الخطاب الديني الرسمي على ملامسة القضايا التي تشغل المواطن المغربي في حياته اليومية، فالمغربي الذي يدخل المسجد وهو يحمل معه هموم الأسعار والبطالة و ونناقش الهجرة الجماعية لستبة المحتلة بكل جرأة، والعنف والرشوة والفساد ومشاكل الأسرة والشغل والتعليم، يحتاج إلى خطاب ديني يفهم واقعه ويخاطبه بلغة قريبة من انشغالاته، لا إلى خطب تبدو في بعض الأحيان منفصلة عن التحولات الاجتماعية التي يعيشها الناس، لأن الدين عندما يلامس حياة الإنسان يصبح أكثر تأثيراً وقرباً من المجتمع.

ولعل ملف الهجرة الجماعية نحو سبتة المحتلة كان واحداً من أبرز الأمثلة التي أعادت طرح هذا النقاش بقوة، فحين يغامر شباب وقاصرون بحياتهم في البحر أو على الحدود بحثاً عن مستقبل مختلف، فإن القضية لا تكون أمنية فقط ولا اقتصادية فقط.

وإنما تحمل في داخلها أسئلة نفسية واجتماعية وأخلاقية وتربوية عميقة، وكان من الممكن أن يشكل المسجد ومنبر الجمعة فضاءً لتناول هذه الظاهرة من زاوية دينية وإنسانية واجتماعية، بما يساعد الأسر والشباب على فهم خطورتها وأسبابها وتداعياتها، لا يتعلق الأمر هنا بتحويل خطبة الجمعة إلى نشرة أخبار أو إلى منصة سياسية، فالمسجد يجب أن يبقى بعيداً عن التوظيف الحزبي والصراعات السياسية، وإنما المطلوب هو خطاب ديني قادر على قراءة الواقع من منظور أخلاقي وإنساني، فالحديث عن تحريم الغش والرشوة والسرقة والعنف ليس موضوعاً خارج الدين، والحديث عن احترام العامل والموظف والمرأة والطفل والمهاجر والفقير ليس خروجاً عن وظيفة المسجد، بل هو في صميم الرسالة الأخلاقية والاجتماعية للدين.

ومن هنا تبرز أهمية إعادة التفكير في طريقة إعداد الخطب وتحديد موضوعاتها، خصوصاً أن المجتمع المغربي لم يعد كما كان قبل عقود، فقد تغيرت وسائط التواصل وانتشرت وسائل التواصل الاجتماعي وأصبح المواطن يتلقى آلاف الرسائل والمعلومات يومياً، وأصبح الشباب تحديداً أكثر قدرة على المقارنة بين الخطابات المختلفة .

ولذلك فإن الخطبة التي لا تلامس الواقع ولا تقدم للإنسان معنى أو توجيهاً عملياً قد تفقد جزءاً من قدرتها على التأثير، مهما كانت صياغتها سليمة ومضبوطة.

كما أن توحيد خطبة الجمعة يمكن أن يكون مفيداً من حيث ضمان خطاب ديني متوازن ومحاربة التطرف والفكر المتشدد.

لكن التوحيد لا ينبغي بالضرورة أن يعني إلغاء شخصية الخطيب أو منعه من الاستفادة من معرفته بالمجتمع الذي يعيش داخله، فالإمام الذي يعرف أحوال سكان قريته أو حيه ومدينته يستطيع أن يقدم أمثلة واقعية ويشرح القيم الدينية من خلال قضايا يلمسها الناس، دون أن يخرج عن الثوابت أو الخطوط العامة التي تحرص عليها المؤسسة الدينية.

وهنا يبرز سؤال آخر يتعلق بالكفاءات التي يمكن أن تشارك في إعداد الخطاب الديني.

فلماذا لا يتم الاستفادة من علماء الاجتماع والأطباء وعلماء النفس والاقتصاديين والأساتذة والخبراء، كل في مجال اختصاصه، لإعداد خطب ومواد توعوية تعالج قضايا المجتمع من زوايا متعددة، وليس ضرورياً أن يكون الخبير إماماً حتى يساهم في بناء خطاب ديني واجتماعي نافع، فقد يقدم الطبيب مادة حول الإدمان والصحة النفسية، ويقدم المختص الاجتماعي مادة حول العنف الأسري، ويساهم الاقتصادي في تبسيط مفاهيم الاستهلاك والادخار ومحاربة الغش.

أما الأئمة والخطباء، فهم في حاجة بدورهم إلى مساحة أكبر من التكوين المستمر والتجديد، لأن الإمام الذي يلتقي المواطنين يومياً يستطيع أن يكون جسراً بين المؤسسة الدينية والمجتمع، بشرط أن تتوفر له المعرفة والحرية المهنية الكافية للتعامل مع القضايا الاجتماعية ضمن إطار مسؤول ومنضبط، فالمجتمع لا يحتاج إلى خطيب يرفع صوته فقط، وإنما يحتاج إلى خطيب يفهم الناس ويعرف مشاكلهم ويخاطب عقولهم وقلوبهم في الوقت نفسه.

ومن حق المجتمع أيضاً أن يتساءل عن طبيعة العلاقة بين المسجد والمشاكل الاجتماعية المتصاعدة، فحين ترتفع الأسعار ويشعر المواطن بالضغط، وحين تنتشر مظاهر العنف، وحين تتزايد حالات الطلاق والتفكك الأسري.

وحين يصبح الشباب أمام إغراءات الهجرة الخطرة، فإن الصمت الكامل عن هذه القضايا لا يساعد على بناء الوعي، بينما يمكن للخطاب الديني المتزن أن يقدم رؤية أخلاقية وتربوية دون أن يتحول إلى أداة للتجاذب السياسي أو تصفية الحسابات.

وقد يكون من المفيد كذلك فتح نقاش مؤسساتي حول مستقبل الخطبة الدينية في المغرب، ليس بهدف إضعاف سلطة المؤسسة الدينية أو المساس بمكانتها، وإنما بهدف تطوير أدواتها وتجديد أساليبها، فالمؤسسة التي تريد الاستمرار في التأثير تحتاج إلى أن تواكب المجتمع الذي تخاطبه، وأن تستفيد من التحولات العلمية والتكنولوجية، بما في ذلك أدوات الذكاء الاصطناعي إذا استعملت بشكل مسؤول، لكن التكنولوجيا لا يمكن أن تعوض الإنسان الذي يعيش بين الناس ويفهم تفاصيل حياتهم ومشاكلهم.

إن الحديث عن وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية لا يعني استهداف شخص الوزير أو اختزال مؤسسة بكاملها في شخص واحد، كما أن النقد لا ينبغي أن يتحول إلى اتهامات غير مؤسسة، لكن طول فترة تولي المسؤولية يفرض بطبيعة الحال نقاشاً حول حصيلة السياسات ومدى قدرتها على مواكبة التحولات الجديدة، فالتجديد الإداري والفكري ليس إدانة لمن سبق، وإنما يمكن أن يكون فرصة لإدخال دماء وأفكار جديدة إلى المؤسسات التي تتعامل بشكل مباشر مع المجتمع، لقد كان المسجد في التجربة الإسلامية فضاءً يجتمع فيه الناس، ويتعلمون، ويتشاورون، ويتضامنون، ويستمعون إلى التوجيه الديني والأخلاقي، ومن هنا جاءت دلالة كلمة الجامع باعتباره مكاناً يجتمع فيه الناس، ولذلك فإن استعادة البعد الاجتماعي للجامع لا تعني تحويله إلى مؤسسة سياسية، بل تعني استعادة جزء من وظيفته التربوية والمجتمعية التي تجعل الدين مرتبطاً بسلوك الإنسان ومعاملاته وعلاقاته بالآخرين.

المطلوب اليوم ليس أن تتحول المنابر إلى منابر احتجاج أو إلى مجال لمناقشة تفاصيل السياسة اليومية.

وإنما أن تصبح أكثر قدرة على معالجة الإنسان في واقعه الحقيقي، وأن يسمع المواطن من الخطيب كلاماً عن الأمانة عندما تنتشر الرشوة، وعن الرحمة عندما يتزايد العنف، وعن المسؤولية عندما تتراجع الثقة، وعن حفظ النفس عندما يخاطر الشباب بحياتهم في البحر، وعن التكافل عندما تعاني الأسر من صعوبات المعيشة، فهذه كلها قضايا دينية قبل أن تكون اجتماعية.

إن قوة المغرب الدينية والمؤسساتية تقوم أيضاً على إمارة المؤمنين التي تشكل إطاراً جامعاً للشأن الديني، ولذلك فإن تطوير الخطاب داخل المساجد ينبغي أن يكون جزءاً من مشروع وطني يحافظ على الثوابت ويجدد الأدوات في الوقت نفسه، فلا يمكن حماية التدين الرسمي بمجرد ضبط المنابر، بل يحتاج الأمر أيضاً إلى جعل المواطن يشعر بأن المسجد يفهمه ويعيش معه قضاياه، وأن الخطبة ليست كلاماً ينتهي بمجرد انتهاء الصلاة وإنما رسالة يمكن أن تؤثر في سلوك الفرد والأسرة والمجتمع.

فإن السؤال الحقيقي ليس هل ينبغي للمسجد أن يتحدث عن مشاكل المجتمع أم لا، وإنما كيف يتحدث عنها، ومن يتحدث عنها، وبأي لغة، وتحت أي ضوابط، فإذا كان المسجد جامعاً للناس، فإن من الطبيعي أن يكون جامعاً لهمومهم الأخلاقية والاجتماعية أيضاً، وإذا كان الدين حاضراً في حياة المغاربة، فمن المنطقي أن يكون خطابه قادراً على ملامسة قضاياهم اليومية، لأن المجتمع الذي لا يجد صوته في بعض منابره قد يبحث عنه في أماكن أخرى، وقد تكون تلك الأماكن أقل توازناً وأقل مسؤولية وأبعد عن قيم الدين والوطن.

لا توجد تعليقات:

للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.

أضف تعليقك