أنتلجنسيا:العيرج ابراهيم/ابن شهيد حرب الصحراء
كما وعدنا متتبعينا الكرام، قصة أخرى واقعية تجسد معاناة بل مأساة اسر الشهداء..و هناك المزيد آثرنا نشرها اليوم تخليداً للتحول التاريخي ومسار قضية الصحراء المغربية وتكريساً للوحدة الوطنية والسيادة الترابية للمملكة و عيد وطنيا مؤدى عنه ينعم فيه الجميع بالراحة و الأمن و السلام..
قصة واقعية أخرى تؤرخ لمأساة أرامل وأيتام أسر شهداء حرب الصحراء
كانت عتمة الفجر تزحف على أطراف القرية النائية، حين وقفت "صابرة" أمام مرآة متشققة ترتب منديلها الأسود الباهت للمرة الألف. على مقربة منها، كان أيتامها الصغار يغطون في نوم عميق، لا علم لهم بأن رغيف الخبز الحاف الذي أكلوه ليلة البارحة كان ثمرة آخر درهم في جيب أمهم الممزق. في تلك اللحظة القاسية، لم تكن عائشة تبكي رحيل زوجها الذي استشهد في صمت، بل كانت تبكي ذلك الخطأ الإداري البارد الذي حوّل حياة أسرتها إلى جحيم مطبق.
بسبب خطأ بشري عابر في مكاتب بعيدة، كُتبت معلومات عسكري متقاعد في مدينة أخرى مكان هويتها ورقم معاشها. ضربة قلم جافة جمدت كل شيء: قطع المعاش، وأُغلقت في وجهها الأبواب، وكأن شهيدها قد قُتل مرتين؛ مرة في ميدان الواجب، ومرة أخرى في ردهات البيروقراطية العمياء.
لم يكن أمام صابرة، وهي المرأة التي لا تملك من حطام الدنيا شيئاً، سوى شد الرحال إلى الرباط العاصمة الإدارية، عاصمة القرار والوجوه العابرة. ركبت حافلة الاهتزازات والطرق الطويلة، وفي قلبها جبل من القلق على أطفالها اللذين تركتهم أمانة عند جارة مسكينة بدورها أرملة شهيد.
حين وصلت إلى الرباط، استقبلتها المدينة بإسفلتها، ببناياتها الكبيرة و بصخبها الذي لا يرحم. عاشت خلالها ساعات من التيه قبل الوصول الى وجهتها المعلومة المجهولة .صعدت السلاليم الرخامية الشاهقة لتلك المؤسسة، وتذوقت مرارة الانتظار الطويل لساعات طويلة أمام مكاتب مغلقة. كانت كلما دخلت على موظف، قابلتها نظرة استصغار أو جملة جاهزة باردة بمثابة صوت من ركام البيروقراطية: "ملفك غير موجود هنا.. عودي الشهر القادم.. البيانات لا تتطابق". لتتنهد قائلة في صمت "أيتام بلا أب و إدارة بلا قلب"
تكررت هذه الرحلة المضنية على فترات متقطعة واستثنائية، فصارت عائشة تتقاذفها حافلات الذهاب والعودة، مهددة طاقتها النفسية المنهكة، تائهة بين ممرات الإدارات كشبحٍ يبحث عن هويته المسلوبة.
في انتظار تسوية معاشها بإصلاح خطأ بشري لا يعرف أصحابه حجم تضحية زوجها ، مارست صابرة في قريتها المنسية بمدينة من مدن الهامش أصلا ، أشد أشكال التقشف قسوة؛ تقشف من لا تملك ترف الاختيار. كانت تطبخ الحكايات بدل الطعام، وتقنع أطفالها أن "الخير قادم غداً"، بينما كانت جوارحها تصرخ جوعاً. فعلت ذلك كله حفاظاً على ماء وجهها وكرامة أسرتها، رافضة مد يد العوز أو التذلل لأحد، متكئة على قليل من الكبرياء المتبقي في عروق أرملة شهيد.
لكن الأزمة امتدت لفترتين متتاليتين، لتتراكم الديون بشكل خانق خصوصا أمام متطلبات الأيتام اليومية من مأكل وملبس ودواء لم تكن تنتظر إصلاح الإدارات.و انتظارات أصحاب دفاتر الديون الصغيرة من أصحاب المحلات التجارية في الحي حيث أصبحت صفحتها مملوءة بالخطوط الحمراء. ورغم تفهم بعض البقالين البسطاء لظروفها وهم يبتسمون بمرارة قائلين: "خذي يا أم الأيتام حتى يفرجها الله", إلا أن نظرات الاستحقاق المنتظرة كانت تحرق قلبها كلما مرت أمام دكاكينهم.مضافا إليها مصاريف التدريس والكتب المدرسية التي هددت بطرد طفليها من مقاعد الدراسة، لتنضاف أمية المستقبل إلى مأساة الحاضر.
في ذروة الاختناق تلك، حين شعرت صابرة أن حبال الهواء قد التفت حول عنقها تماماً، وانقطعت بها السبل، يتدخَّل بعض الأقارب أو أرملة شهيد كما سيأتي فيما بعد كطوق نجاٍة مؤقت. لتجتمع بين يديها ما تيسر من دراهم معدودة لفك الأزمة المشتعلة وسداد جزء من ديون الدكاكين، لتعود وتلتقط أنفاسها المنهكة تحت وطأة الخجل والامتنان في نفس الوقت في انتظار إصلاح خطأ مادي هناك بالعاصمة...
لكن المساعدة المؤقتة لم تكن حلاً؛ فالجرح كان أعمق من أن تضمدَه قطرة عطف عابرة. فما زالت صابرة حتى هذه اللحظة، تقف بين حلم عودة المعاش وواقع إدارة صماء، تتساءل في حرقة مريرة :
"هل يجب أن نموت جوعاً لكي يدرك أصحاب المكاتب المكيفة أن خطأهم الصغير.. يقتلنا كل يوم ألف مرة؟
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك