أنتلجنسيا المغرب: حمان ميقاتي/م. كندا
كشف تقرير لصحيفة «نيويورك تايمز» عن
خلافات عميقة داخل دوائر صنع القرار في إيران بشأن طريقة التعامل مع الولايات
المتحدة، مشيراً إلى أن الهجمات التي استهدفت ثلاث سفن تجارية في مضيق هرمز في
السابع من يوليو لم تكن، وفق روايات مسؤولين إيرانيين، قراراً صادراً بتوافق كامل
من القيادة العليا، بل جاءت نتيجة تحرك قادته شخصيات متشددة كانت تسعى إلى عرقلة
مسار التفاوض ومنع التوصل إلى تفاهم مع واشنطن. واستند التقرير إلى مقابلات مع
مسؤولين إيرانيين وأعضاء في الحرس الثوري ومسؤولين سابقين، إلى جانب مراجعة
تصريحات ومواقف علنية مرتبطة بالأحداث.
وبحسب مصادر إيرانية تحدثت للصحيفة،
خلصت تحقيقات حكومية وأمنية إلى أن حسين طائب كان من أبرز الشخصيات المرتبطة بقرار
تنفيذ الهجمات، بعدما عارض منذ البداية أي تسوية مع الإدارة الأميركية، وكان يرى
أن إنهاء الحرب والذهاب نحو اتفاق مع واشنطن يمثلان تنازلاً غير مقبول. وتقول
الروايات الواردة في التقرير إن طائب حاول التأثير في دوائر القرار، وخصوصاً عبر
قنوات مرتبطة بمجتبى خامنئي، لدفع القيادة نحو موقف أكثر تشدداً، في وقت كانت فيه
أطراف أخرى داخل النظام ترى أن المفاوضات قد تكون الطريق الأقل كلفة للخروج من
التصعيد.
ونقل التقرير عن مسؤول إيراني سابق أن
الهدف الأساسي من الهجمات كان إسقاط مذكرة التفاهم مع الرئيس الأميركي دونالد
ترامب، ومنع تحولها إلى اتفاق أوسع في المستقبل. وتضيف الرواية أن العملية أحدثت
ارتباكاً كبيراً داخل القيادة الإيرانية نفسها، بعدما تلقى الرئيس مسعود بزشكيان
خبر الهجمات أثناء وجوده في العراق، فسارع إلى الاتصال بقيادة الحرس الثوري للحصول
على تفسير لما جرى. وبحسب المصادر، أكد قائد الحرس حينها أنه لم يصدر أمراً
بالعملية ولم يكن على علم مسبق بها، كما أن المجلس الأعلى للأمن القومي لم يكن قد
أُبلغ بالتحرك.
وعقب عودته إلى طهران، واجه بزشكيان
واقعاً أكثر تعقيداً، إذ قيل له إن منفذي الهجوم استندوا إلى تفويض سابق يسمح
للقادة الميدانيين بالتصرف ضد السفن التي تعتبرها إيران مخالفة لقواعد السيطرة على
المضيق، من دون الحاجة إلى انتظار تعليمات مباشرة من القيادة المركزية. وفي اليوم
التالي، شنت الولايات المتحدة غارات، لتتحول العملية التي بدأت كتحرك عسكري محدود
إلى أزمة أوسع تهدد بإعادة فتح دائرة التصعيد بين البلدين. ومع تصاعد المخاوف من
توسع المواجهة، تحركت طهران عبر قنوات دبلوماسية لإبلاغ واشنطن وبعض حلفائها
الإقليميين بأن منفذي الهجمات ربما تصرفوا خارج إطار القرار السياسي المركزي.
وفي محاولة لاحتواء التداعيات، أرسلت
إيران وزير الخارجية عباس عراقجي إلى سلطنة عُمان، في وقت لفت فيه غياب أي تبنٍ
واضح للهجوم من مقر «خاتم الأنبياء» إلى حجم الارتباك داخل المؤسسات العسكرية
والسياسية. ووفق التقرير، أدى الخلاف إلى مشادات داخلية واتهامات متبادلة
بالخيانة، كما وصل التوتر إلى حد تهديد جنرالين بارزين بالاستقالة. ولم تتوقف
تداعيات الأزمة عند حدود الخلاف السياسي، بل امتدت إلى إعادة ترتيب بعض مؤسسات
الأمن القومي، في خطوة عكست رغبة القيادة في إحكام السيطرة على قنوات اتخاذ القرار
ومنع تكرار عمليات عسكرية قد تؤدي إلى تداعيات لا تحظى بموافقة جميع مراكز السلطة.
وكشف التقرير في الوقت نفسه عن حالة
من الغموض بشأن قنوات الاتصال بين الرئيس الإيراني ومجتبى خامنئي، مشيراً إلى أن
بعض اللقاءات التي أُعلن عنها سابقاً جرت عبر وسائل اتصال شديدة التحفظ. وبحسب
المصادر، شارك بزشكيان في لقاء عبر اتصال فيديو آمن، بينما كان الشخص الذي نُسب
إليه تمثيل مجتبى خامنئي يظهر على الشاشة بصفته وسيطاً. ودفعت هذه الملابسات
الرئيس الإيراني، وفق الرواية نفسها، إلى التشكيك في هوية الشخص الذي كان يتواصل
معه فعلياً، خصوصاً بعدما تلقى معلومات تفيد بأن مجتبى وافق على مهاجمة السفن، وهو
ما دفعه إلى المطالبة بإثبات واضح على صدور هذا القرار.
وفي خضم هذه الخلافات، ظهرت داخل
المؤسسات العسكرية الإيرانية خطط أكثر تصعيداً للتعامل مع الولايات المتحدة، قدمها
جنرالات متشددون إلى المجلس الأعلى للأمن القومي، وكان من أبرز الداعمين لها قائد
القوة الجوفضائية في الحرس الثوري مجيد موسوي. وتضمنت الخطة، بحسب التقرير، زيادة
وتيرة الهجمات الإيرانية وهجمات الجماعات الحليفة لطهران، بما في ذلك الحوثيون
والفصائل المسلحة في العراق، إلى جانب استهداف منشآت نفطية إقليمية وسفن عسكرية
ومحاولة إيقاع خسائر في صفوف القوات الأميركية، مع استخدام ارتفاع أسعار النفط
كوسيلة ضغط إضافية على واشنطن وحلفائها.
في المقابل، حذر بزشكيان ورئيس
البرلمان محمد باقر قاليباف من أن تبني هذا النهج قد يؤدي إلى نتائج عكسية، من
بينها شن الولايات المتحدة ضربات أكثر شدة وفرض ضغوط اقتصادية إضافية على إيران.
ويبدو أن جوهر الخلاف داخل القيادة الإيرانية لا يتعلق فقط بمبدأ مواجهة واشنطن،
وإنما بالطريقة التي ينبغي أن تدار بها هذه المواجهة في ظل الأوضاع الاقتصادية
والعسكرية الحساسة. فبينما يرى المتشددون أن رفع كلفة الحرب على الولايات المتحدة
وحلفائها يمكن أن يجبرهم على تقديم تنازلات، تعتقد أطراف أخرى أن استمرار التصعيد
قد يضع إيران أمام حرب أوسع يصعب التحكم في مسارها.
ويخلص التقرير إلى أن التيار المتشدد
تمكن في الجولة الأخيرة من فرض قدر أكبر من النفوذ على مسار الأحداث، إلا أن الخلاف
داخل النظام الإيراني لم ينتهِ، بل بات أكثر وضوحاً بين فريق يدفع نحو استئناف
المفاوضات وإنهاء الحصار البحري عبر تسوية سياسية، وآخر يرى أن الضغط العسكري
وتوسيع نطاق المواجهة يمثلان الوسيلة الأفضل لتحسين موقع طهران التفاوضي. وبين
الخيارين، تواجه القيادة الإيرانية اختباراً بالغ الحساسية، إذ إن أي خطوة غير
محسوبة قد لا تؤثر فقط في علاقتها مع واشنطن، وإنما قد تعيد رسم موازين القوى داخل
النظام نفسه.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك