أنتلجنسيا:أبو فراس
دخلت أنقرة مجدداً على خط التسليح الأوكراني، بعدما تداولت تقارير خلال عطلة نهاية الأسبوع معلومات عن موافقة تركيا على تزويد كييف بحزمة من الأسلحة الأمريكية الصنع تشمل صواريخ باليستية تكتيكية من طراز M39 ATACMS و12 راجمة صواريخ M270 MLRS، إضافة إلى كميات كبيرة من الذخائر العنقودية، في تطور قد يفتح نقاشاً جديداً حول حدود الدعم التركي لأوكرانيا ومخاطر اتساع رقعة المواجهة مع روسيا.
ووفق المعطيات المتداولة، فإن الصفقة لا تبدو موجهة، في صورتها المعلنة، نحو منح القوات الأوكرانية قدرة هجومية بعيدة المدى داخل العمق الروسي، بقدر ما تستهدف تعزيز قدراتها على ضرب الأهداف العسكرية القريبة من خطوط القتال ووقف العمليات البرية الروسية.
وتكتسب هذه الخطوة حساسية إضافية لأن الأسلحة المعنية أمريكية الأصل، ما يعني أن نقلها من المخزون التركي إلى أوكرانيا يرتبط أيضاً بموافقة واشنطن، وسط حديث عن إعطاء الولايات المتحدة الضوء الأخضر للصفقة.
وتشمل الحزمة صواريخ ATACMS بمدى يقارب 165 كيلومتراً، وهي منظومات قادرة على توجيه ضربات دقيقة إلى أهداف عسكرية بعيدة نسبياً عن خط الجبهة، إلى جانب راجمات M270 MLRS التي تمنح القوات الأوكرانية قدرة إضافية على تنفيذ ضربات صاروخية مركزة، فضلاً عن صواريخ M26 ذات المدى الأقصر والذخائر العنقودية الخاصة بالمدفعية الثقيلة.
وتضع طبيعة هذه الأسلحة حدوداً واضحة للدور الذي يبدو أن أنقرة تريد لأوكرانيا أن تلعبه. فامتلاك كييف هذه المنظومات يمكن أن يعزز قدرتها على استهداف القوات والراجمات الروسية القريبة من الجبهة، لكنه لا يعني بالضرورة منحها تفويضاً مفتوحاً لشن ضربات عميقة داخل الأراضي الروسية.
ويرتبط هذا الحذر بشكل مباشر بالمخاوف التركية من انتقال الحرب إلى مرحلة أكثر خطورة، خصوصاً مع تصاعد الحديث عن احتمال استخدام روسيا لأقصى أدواتها إذا شعرت بأن الصراع يتحول من حرب استنزاف على خطوط التماس إلى مواجهة تهدد أمنها الداخلي بصورة مباشرة.
وفي هذا السياق، تكتسب تصريحات وزير الخارجية التركي هاكان فيدان أهمية خاصة، بعدما حذر من خطورة تحول الاستنزاف العسكري إلى استنزاف يمتد إلى ما وراء خطوط الجبهة، معتبراً أن بلوغ مستوى مرتفعاً من الدمار قد يدفع موسكو إلى التفكير في خيارات أكثر خطورة.
وجاءت تصريحات فيدان في توقيت لافت، بالتزامن مع المعطيات المتعلقة بإمكانية نقل الأسلحة الأمريكية الموجودة في الترسانة التركية إلى أوكرانيا، وهو ما دفع مراقبين إلى الربط بين الموقف السياسي لأنقرة وخياراتها العسكرية في دعم كييف.
ويرى ياكوب بالوفسكي، نائب رئيس تحرير موقع Defence24، أن طبيعة الأسلحة التي يجري الحديث عنها تعكس توجهاً تركياً يقوم على تقوية قدرة أوكرانيا على الدفاع عن أراضيها، دون دفعها بالضرورة نحو توسيع نطاق الضربات داخل روسيا.
وبحسب هذا التقييم، فإن صواريخ ATACMS وراجمات M270 والصواريخ المرتبطة بها يمكن أن تمنح القوات الأوكرانية قدرة مؤثرة في مواجهة التحركات البرية الروسية، خصوصاً من خلال استهداف مواقع عسكرية وراجمات صاروخية قريبة من خطوط القتال.
لكن المسألة الأكثر حساسية تكمن في المدى والهدف السياسي من استخدام هذه الأسلحة. فكلما اتسعت دائرة الأهداف المحتملة داخل الأراضي الروسية، ارتفع خطر انتقال الحرب إلى مستوى جديد، وهو السيناريو الذي تحاول أنقرة، وفق هذه القراءة، تجنبه رغم استمرار دعمها لأوكرانيا.
وتكشف التطورات كذلك عن مفارقة في السياسة التركية؛ فأنقرة تحافظ على علاقاتها مع موسكو من جهة، وتدعم كييف عسكرياً من جهة أخرى، وتسعى في الوقت نفسه إلى منع الحرب من الوصول إلى نقطة يصعب معها احتواء التصعيد.
ومن هنا، فإن أي تسليم فعلي لصواريخ ATACMS وراجمات M270 لن يكون مجرد صفقة عسكرية عابرة، بل رسالة سياسية وعسكرية في آن واحد، مفادها أن تركيا تريد رفع كلفة العمليات الروسية على أوكرانيا، لكنها لا تبدو راغبة في منح كييف أدوات قد تدفع موسكو إلى اعتبار الأراضي الروسية نفسها ساحة مفتوحة لضربات بعيدة المدى.
وبينما تواصل الحرب اختبار الخطوط الحمراء بين موسكو وكييف وحلفائهما، فإن دخول مخزون تركي من الأسلحة الأمريكية إلى المعادلة قد يضيف ورقة جديدة إلى الصراع، خصوصاً إذا تأكدت الصفقة وبدأ تنفيذها ميدانياً.
وفي النهاية، يبقى السؤال الأكثر حساسية ليس ما إذا كانت هذه الأسلحة قادرة على تغيير ميزان القوة بمفردها، وإنما أين ستُستخدم، وما الحدود التي ستُفرض على استخدامها؟ فكل ضربة جديدة بعيدة المدى قد تمنح أوكرانيا قدرة أكبر على الردع، لكنها في الوقت نفسه قد تقرب الحرب من منطقة التصعيد التي تحاول تركيا نفسها تفاديها.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك