إسبانيا تُحصّن جزرها قبالة المغرب وتحرك عسكري لافت

إسبانيا تُحصّن جزرها قبالة المغرب وتحرك عسكري لافت
شؤون أمنية وعسكرية / السبت 22 غشت 2026 / لا توجد تعليقات:

أنتلجنسيا:أبو فراس

دخلت المواقع الإسبانية المعزولة قبالة السواحل المغربية مرحلة جديدة من التحصين والتحديث العسكري، بعدما شرعت مدريد في تنفيذ حزمة استثمارات تستهدف رفع جاهزيتها التشغيلية وتعزيز قدرات المراقبة والاتصالات وتأمين الطاقة والمياه للقوات المنتشرة في هذه النقاط الحساسة.

وتشمل المشاريع صخرة بادس وصخرة الحسيمة والجزر الجعفرية، إضافة إلى جزيرة البوران، في تحرك يأتي في توقيت شديد الحساسية سياسياً، بالتزامن مع عودة ملف المناطق الخاضعة للسيطرة الإسبانية شمال المغرب إلى واجهة النقاش، عقب تصريحات وزير العدل عبد اللطيف وهبي التي جدد فيها التأكيد على ما يعتبره المغرب حقوقاً تاريخية وجغرافية في هذه المناطق، ودعا إلى فتح حوار مع مدريد حول مستقبلها.

وبحسب موقع «إنفوديفينسا» المتخصص في الشؤون الدفاعية، تعمل وزارة الدفاع الإسبانية، بتنسيق مع شركة «تراغسا» العمومية، على تنفيذ مشاريع تستهدف تحسين ظروف إقامة العسكريين وضمان استقلالية المواقع المعزولة عن شبكات البنية التحتية التقليدية، إلى جانب تقوية قدراتها في الرصد والاستجابة والتواصل.

ويأتي هذا التحرك في سياق موقف إسباني رسمي يؤكد أن السيادة على هذه المواقع ليست مطروحة للنقاش، وهو ما سبق أن شددت عليه وزيرة الدفاع مارغريتا روبليس، في انسجام مع موقف مدريد الرافض لأي مطالب مغربية بشأن سبتة ومليلية والمواقع الأخرى الواقعة تحت السيطرة الإسبانية.

ومن بين أكثر المشاريع إثارة للانتباه صفقة تقدر قيمتها بنحو 386 ألفاً و607 يورو، مخصصة لتوفير تسعة مولدات كهربائية أوتوماتيكية عازلة للصوت، بطاقة تصل إلى 150 كيلوفولت أمبير لكل مولد.

وتنص الخطة على توزيع هذه التجهيزات بالتساوي، بثلاثة مولدات لكل من الجزر الجعفرية وصخرة الحسيمة وصخرة بادس، مع تجهيز موقع الجزر الجعفرية بلوحة أوتوماتيكية لتحويل مصادر الطاقة.

وتستهدف هذه المعدات ضمان استمرارية الكهرباء والماء بالنسبة إلى الوحدات العسكرية المنتشرة في هذه المواقع، التي تفرض طبيعتها الجغرافية المنعزلة تحديات لوجستية كبيرة، خصوصاً مع تأثير الرطوبة والملوحة والظروف البحرية القاسية على التجهيزات والبنية التحتية.

وحددت الجهة المكلفة بالمشروع يوم 11 شتنبر المقبل موعداً نهائياً لتقديم العروض، فيما يرتقب أن يمتد تنفيذ العقد على مدى عام كامل، ابتداء من منتصف نونبر 2026 وفق الجدولة التقديرية.

ولم تتوقف الخطة عند تأمين الكهرباء، إذ جرى أيضاً طرح مشروع لتوفير محطة مدمجة لتحلية مياه البحر باستخدام تقنية التناضح العكسي، على أن يتم تسليمها في ميناء مالقة قبل نقلها إلى صخرة الحسيمة، بهدف ضمان مصدر أكثر استقراراً لمياه الشرب بالنسبة إلى العسكريين الموجودين هناك.

أما جزيرة البوران، فتبدو في قلب خطة استثمارية أكثر اتساعاً، إذ تخصص وزارة الدفاع الإسبانية حوالي 6.5 ملايين يورو لتحديث مرافقها وتعزيز قدراتها في المراقبة البحرية والعسكرية.

وتشمل الأشغال إنشاء منشأة جديدة لإقامة الجنود، وتطوير منظومة للتزود الذاتي بالمياه، وتجديد شبكة الوقود وزيادة قدراتها التخزينية، فضلاً عن تهيئة البنية اللازمة لتركيب كاميرا حرارية.

كما تتضمن الخطة نشر مجموعة من التجهيزات التقنية المتقدمة، من بينها أجهزة استشعار كهروضوئية ورادار ومقياس مسافات بالليزر، وربط هذه المنظومات بشبكات اتصال تعتمد على الأقمار الاصطناعية والبنى العسكرية وخدمات التطبيب عن بعد.

وتكشف طبيعة هذه التجهيزات أن المشروع لا يتعلق فقط بتحسين ظروف إقامة العسكريين، بل يستهدف أيضاً رفع مستوى المراقبة والرصد والاستجابة في منطقة تعتبرها مدريد ذات قيمة استراتيجية بالنسبة إلى حركة الملاحة في غرب البحر الأبيض المتوسط.

وتنظر السلطات الإسبانية إلى الجزيرة باعتبارها موقعاً يمكن من خلاله مراقبة حركة الملاحة ورصد أنشطة الهجرة غير النظامية والاتجار بالمخدرات، إضافة إلى متابعة أي تهديدات محتملة لحرية الملاحة في المنطقة.

كما شملت عمليات التحديث الأخيرة ترميم مبنى المنارة والمنشآت العسكرية ومعالجة الأضرار التي لحقت بها بسبب التآكل الناتج عن الملوحة، مع إسناد بعض الأشغال إلى شركات إسبانية متخصصة.

وفي صخرة بادس، لم تقتصر الإجراءات على المشاريع الكبرى، إذ نفذت أشغال استعجالية بلغت قيمتها حوالي 14 ألفاً و819 يورو، تضمنت تركيب خزان خارجي مزدوج الجدار مخصص لتخزين وقود الديزل.

وتندرج صخرتا الحسيمة وبادس والجزر الجعفرية كذلك ضمن برنامج أوسع لتجديد وصيانة أنظمة الحماية التقنية في 220 قاعدة عسكرية داخل إسبانيا وخارجها، بغلاف مالي يتجاوز 28.4 مليون يورو لمدة عامين، على أن يبدأ تنفيذ الاتفاق في يناير 2027.

ويشمل البرنامج تحديث أنظمة الأمن الإلكتروني والمراقبة التقنية للمحيط في هذه المواقع، إلى جانب تطوير شبكات الاتصال الأرضية والفضائية، بما يعزز قدرة القوات المنتشرة فيها على التواصل والرصد في بيئة جغرافية معزولة.

ولا يأتي هذا الاستثمار من فراغ، فقد سبق للجيش الإسباني أن ضخ خلال عام 2024 حوالي 478 ألف يورو لإعادة تشغيل محطة للطاقة الشمسية في جزيرة إيزابيل الثانية التابعة للجزر الجعفرية، بعدما تعرضت المنظومة السابقة لأعطاب طالت الألواح والبطاريات.

وبين مشاريع الطاقة وتحلية المياه، وأنظمة الرادار والاستشعار، والاتصالات الفضائية، والبنية العسكرية الجديدة، تبدو مدريد وكأنها تنتقل بالمواقع المعزولة قبالة السواحل المغربية من مجرد نقاط عسكرية صغيرة إلى منشآت أكثر استقلالية وقدرة على الاستمرار والمراقبة.

ويكتسب هذا التحرك بعداً سياسياً إضافياً في ظل تجدد النقاش المغربي حول مستقبل سبتة ومليلية وباقي المناطق التي يعتبرها المغرب جزءاً من حقوقه التاريخية والجغرافية، مقابل تمسك إسباني حازم باعتبار السيادة عليها غير قابلة للنقاش.

وبذلك، لا تبدو الاستثمارات الجديدة مجرد عملية صيانة تقنية عادية، بل خطوة لتعزيز الوجود الإسباني في مواقع ذات حساسية استراتيجية، في وقت تتقاطع فيه الحسابات العسكرية مع ملفات السيادة والهجرة وأمن الملاحة والعلاقات المتوترة أحياناً بين الرباط ومدريد. وكلما ارتفع منسوب الجدل السياسي حول هذه المناطق، يبدو أن إسبانيا ترد على الأرض بمزيد من التجهيز والتحصين والقدرات التقنية.

لا توجد تعليقات:

للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.

أضف تعليقك