أنتلجنسيا:أبو فراس
تحولت القدرات العسكرية المغربية إلى مادة يومية للنقاش داخل الإعلام الإسباني، وسط تصاعد المخاوف في مدريد من التحول الاستراتيجي الذي يقوده المغرب بهدوء وثبات، والذي بات يفرض نفسه كقوة عسكرية صاعدة في غرب البحر الأبيض المتوسط.
وخلال الأيام الأخيرة، خصصت منابر إعلامية وبرامج تحليلية إسبانية حيزاً واسعاً لرصد التطور المتسارع الذي تشهده القوات المسلحة الملكية، معتبرة أن المغرب لم يعد مجرد فاعل إقليمي يسعى إلى تحديث ترسانته الدفاعية، بل أصبح لاعباً عسكرياً يفرض على إسبانيا إعادة حساباتها الأمنية والاستراتيجية، خاصة بعد التطورات التي أعادت ملف سبتة المحتلة إلى واجهة النقاش السياسي والإعلامي.
وتوقفت التقارير الإسبانية عند سلسلة صفقات التسلح الكبرى التي أبرمتها المملكة خلال السنوات الأخيرة، والتي شملت طائرات مسيرة متطورة ومنظومات رادار حديثة ومروحيات هجومية وتجهيزات دفاعية متقدمة، في إطار رؤية شاملة تهدف إلى رفع الجاهزية العملياتية للجيش المغربي وتطوير قدراته في مختلف المجالات البرية والجوية والبحرية.
ويرى مراقبون إسبان أن القرب الجغرافي بين البلدين يجعل أي تطور عسكري مغربي محل متابعة دقيقة داخل دوائر القرار في مدريد، خصوصاً مع استمرار المغرب في تعزيز تفوقه النوعي عبر اقتناء تكنولوجيات عسكرية حديثة تضعه ضمن أكثر الجيوش تطوراً على المستوى الإفريقي والعربي.
وتزايدت هذه المخاوف مع بروز دعوات داخل الأوساط السياسية الإسبانية لإعادة تقييم القدرات الدفاعية للجبهة الجنوبية ومراجعة التصورات التقليدية المرتبطة بالأمن في غرب المتوسط.
وأعادت الأحداث الأخيرة المرتبطة بمدينة سبتة المحتلة إشعال الجدل داخل إسبانيا حول مدى جاهزية قواتها للتعامل مع التحولات العسكرية المتسارعة في المنطقة.
فبينما كانت مدريد لعقود تنظر إلى تفوقها العسكري باعتباره أمراً محسوماً، بدأت أصوات سياسية وإعلامية تتحدث اليوم عن واقع جديد يتشكل على الضفة الجنوبية للمتوسط، عنوانه المغرب القوي عسكرياً والمتطلع إلى ترسيخ مكانته كقوة إقليمية مؤثرة.
ومن بين الملفات التي أثارت اهتماماً واسعاً داخل الإعلام الإسباني، دخول مروحيات AH-64E Apache الأمريكية المتطورة إلى الخدمة ضمن القوات المسلحة الملكية، حيث اعتبر عدد من المحللين أن هذه المنظومة القتالية تمنح المغرب قدرات هجومية واستطلاعية متقدمة، ما دفع بعض البرامج المتخصصة إلى إجراء مقارنات مباشرة بينها وبين مروحيات Tiger التي يعتمد عليها الجيش الإسباني.
لكن ما يثير قلق بعض الدوائر الإسبانية لا يتعلق فقط بشراء الأسلحة، بل يتجاوز ذلك إلى الطموح المغربي لبناء صناعة دفاعية وطنية متكاملة.
فالمغرب لم يعد يكتفي بدور المستورد، بل يتجه نحو إنشاء قاعدة صناعية عسكرية تسمح له مستقبلاً بإنتاج جزء من احتياجاته الدفاعية محلياً، وهو خيار استراتيجي يعتبره خبراء إسبان خطوة قد تمنح الرباط استقلالية أكبر وتعزز نفوذها الإقليمي على المدى الطويل.
ويتزامن هذا المسار مع النجاحات التي حققتها المملكة في قطاعات صناعية استراتيجية أخرى، أبرزها صناعة السيارات والطيران، ما يعزز الاعتقاد بأن الرباط تسعى إلى تكرار التجربة نفسها في المجال الدفاعي وتحويله إلى رافعة جديدة للقوة الاقتصادية والعسكرية معاً.
كما امتد الجدل إلى البرلمان الإسباني، حيث طالب نواب من حزب "فوكس" اليميني المتطرف الحكومة بتوضيحات حول مدى استعداد البلاد لمواجهة التطور السريع الذي تعرفه القدرات المغربية في مجال الطائرات المسيرة.
غير أن الحكومة الإسبانية فضلت التزام الحذر ولم تقدم أجوبة تفصيلية بشأن هذه التساؤلات، ما زاد من حدة النقاش السياسي والإعلامي.
وفي قلب هذا الجدل تبرز مقاتلات "إف-35" الأمريكية الشبحية التي تحولت إلى ما يشبه الكابوس الاستراتيجي لبعض الأوساط الإسبانية. فالتقارير الدولية تتحدث منذ أشهر عن مفاوضات محتملة بين الرباط وواشنطن للحصول على هذا السلاح المتطور الذي يعد من أكثر المقاتلات تقدماً في العالم.
وتشير المعطيات المتداولة إلى أن البرنامج المحتمل قد تصل قيمته الإجمالية إلى نحو 17 مليار دولار، تشمل الطائرات والبنية التحتية والصيانة والتدريب والدعم التقني على مدى عقود.
ويرى خبراء عسكريون أن حصول المغرب على مقاتلات إف-35، في حال تم الإعلان الرسمي عن الصفقة، سيشكل تحولاً استراتيجياً عميقاً في موازين القوة الإقليمية، نظراً لما توفره هذه الطائرة من قدرات تخفٍ متقدمة وأنظمة استشعار فائقة وتفوق في إدارة المعارك الحديثة.
كما أن المغرب قد يصبح أول دولة عربية وإفريقية تشغل هذا الطراز من مقاتلات الجيل الخامس، ما سيمنحه مكانة عسكرية استثنائية في المنطقة.
ورغم أن المفاوضات ما تزال في إطار التقارير الإعلامية ولم يتم الإعلان رسمياً عن أي اتفاق نهائي بين الرباط وواشنطن، فإن مجرد تداول هذا الاحتمال كان كافياً لإثارة موجة واسعة من القلق داخل الإعلام الإسباني الذي يرى أن دخول هذه الطائرة إلى الخدمة في المغرب قد يفرض واقعاً جديداً في غرب البحر المتوسط.
ومع استمرار المملكة في تنفيذ استراتيجية التحديث العسكري بوتيرة متسارعة، يبدو أن النقاش داخل إسبانيا لم يعد يدور حول ما إذا كان المغرب يطور قدراته الدفاعية، بل حول حجم التحول الذي حققته الرباط بالفعل، ومدى تأثيره على التوازنات الإقليمية في السنوات المقبلة.
وبينما يواصل المغرب بناء قوة عسكرية حديثة ومتعددة الأبعاد، تجد مدريد نفسها أمام معادلة جديدة تفرض عليها مراقبة كل خطوة تصدر من الضفة الجنوبية للمتوسط، حيث تتشكل ملامح قوة إقليمية صاعدة تفرض حضورها بثقة متزايدة.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك