أنتلجنسيا:أبو فراس
دخل التعاون العسكري بين المغرب وإسرائيل مرحلة جديدة تتجاوز مجرد صفقات التسليح، بعدما تحولت الشراكة التي انطلقت عقب استئناف العلاقات الدبلوماسية في 2020 إلى شبكة واسعة تشمل الدفاع الجوي والمدفعية والدرونز والاستخبارات والأمن السيبراني والأقمار الصناعية، إلى جانب آليات تنسيق عسكري مؤسساتية منتظمة.
ويقدم موقع «Escudo Digital» الإسباني المتخصص في شؤون الدفاع والأمن صورة واسعة لهذا التحول، مشيراً إلى أن إسرائيل أصبحت، بحسب تقديراته، ثاني أكبر مصدر للسلاح بالنسبة إلى المغرب، بحصة تبلغ نحو 24% من وارداته العسكرية، مقابل 60% للولايات المتحدة و10% لفرنسا. ويضع الموقع هذه الأرقام في سياق مسار بدأ مع تطبيع العلاقات أواخر 2020، قبل أن يأخذ طابعاً عسكرياً أكثر وضوحاً بعد توقيع مذكرة تفاهم دفاعية بين الرباط وتل أبيب في نوفمبر 2021.
وبحسب التقرير الإسباني، لم تقتصر مذكرة التفاهم على فتح الباب أمام صفقات السلاح، بل شملت التعاون في مجالات تبادل المعلومات والاستخبارات والتدريب العسكري والدعم اللوجستي، وهو ما ساهم، وفق قراءة الموقع، في نقل العلاقات الدفاعية من مستوى الاتصالات الثنائية إلى نموذج أكثر انتظاماً واستدامة.
ويبرز الدفاع الجوي باعتباره أحد أهم المجالات التي تجسد هذا التحول، خصوصاً مع حصول المغرب على منظومة «Barak MX» الإسرائيلية متعددة الطبقات. ويقول «Escudo Digital» إن الصفقة المبرمة سنة 2022 مع شركة الصناعات الجوية الإسرائيلية بلغت قيمتها نحو 500 مليون دولار، وإن المنظومة توفر قدرات للتعامل مع مجموعة من الأهداف الجوية، بينها الطائرات والمسيّرات وصواريخ كروز والصواريخ الباليستية التكتيكية، اعتماداً على صواريخ اعتراض مختلفة ورادار ELM-2084 MMR.
ويضع الموقع الإسباني هذه المنظومة ضمن التحولات التي طرأت على بنية الدفاع الجوي المغربي، في وقت تعتمد فيه إسبانيا على مزيج من منظومات NASAMS وPatriot لتغطية مستويات مختلفة من الدفاع الجوي والصاروخي. ويشير التقرير إلى أن المقارنة بين البلدين لا تتعلق بنظام واحد فقط، وإنما بطريقة بناء القدرات وتوزيعها ضمن منظومات متعددة الطبقات.
وفي مجال المدفعية، يشير التقرير إلى حصول المغرب خلال 2025 على 36 مدفعاً ذاتي الحركة من طراز ATMOS 2000 عيار 155 ملم من إنتاج شركة Elbit Systems الإسرائيلية، مع مدى يتجاوز 40 كيلومتراً بحسب مواصفات النظام التي يستند إليها التقرير. كما يتحدث عن حصول المغرب، وفق تقديراته، على ما بين 8 و12 وحدة من راجمات الصواريخ PULS في صفقة تقدر بنحو 150 مليون دولار، مع استمرار عمليات التسليم خلال 2026.
ويكتسب ملف PULS أهمية إضافية في القراءة الإسبانية، لأن الشركة الإسرائيلية نفسها كانت مرتبطة بمشروع SILAM الإسباني لتطوير راجمة صواريخ عالية الحركة، قبل استبعادها من البرنامج في سياق السياسة الإسبانية المتعلقة بصفقات السلاح الإسرائيلية. ويرى التقرير أن امتلاك المغرب لمنظومة من هذه الفئة يضيف قدرة جديدة إلى ترسانة القوات المسلحة الملكية في مجال النيران بعيدة المدى.
أما الطائرات المسيّرة، فتشكل بدورها أحد أبرز محاور التعاون العسكري المغربي الإسرائيلي. ويذكر الموقع الإسباني مجموعة من المنظومات التي يقول إن المغرب حصل عليها، من بينها WanderB وThunderB وHermes 450، إضافة إلى الطائرات ذات الارتفاع المتوسط والتحمل الطويل Hermes 900 وHeron 1.
ويربط التقرير انتشار هذه القدرات بمهام المراقبة والاستطلاع وحماية المجالات الحيوية، مشيراً إلى مواقع مثل بن جرير والداخلة والمحبس. كما يلفت إلى أن المغرب لا يعتمد على التكنولوجيا الإسرائيلية وحدها في مجال الطائرات غير المأهولة، إذ ينتظر أيضاً أربع طائرات MQ-9B SeaGuardian أمريكية الصنع، ما يعكس، وفق التقرير، اتجاهاً نحو تنويع مصادر التكنولوجيا العسكرية مع التركيز على القدرات بعيدة المدى والاستطلاع المستمر.
ولا يتوقف المشهد عند الأسلحة التقليدية، إذ يضع التقرير الإسباني الأمن السيبراني والاستخبارات في صلب التحول الذي عرفته العلاقات المغربية الإسرائيلية. ويذكر أن المغرب اقتنى تقنيات إسرائيلية في مجال استخراج البيانات والمراقبة، كما يتحدث عن استخدام برمجيات مثل Pegasus وUFED وNightHawk، إلى جانب صفقة الأقمار الصناعية Ofek-13.
وبحسب «Escudo Digital»، اتفق المغرب مع شركة الصناعات الجوية الإسرائيلية على اقتناء قمرين صناعيين من طراز Ofek-13 بقيمة تقدر بنحو مليار دولار، مع توقع تسليمهما في نهاية العقد الحالي. وتندرج هذه الصفقة، وفق التقرير، ضمن انتقال التعاون إلى مستويات أكثر ارتباطاً بالاستطلاع الفضائي وجمع المعلومات بعيدة المدى.
وفي هذا السياق، يربط الموقع بين ملف التكنولوجيا الإسرائيلية وقضية برنامج التجسس Pegasus التي أثارت جدلاً واسعاً في إسبانيا. غير أن هذه النقطة تحديداً تتضمن استنتاجات واتهامات منسوبة إلى تقارير صحافية وتحليلات الموقع، وليست كلها مثبتة بالطريقة نفسها، لذلك ينبغي التعامل معها باعتبارها جزءاً من القراءة الإسبانية للعلاقات بين الرباط ومدريد، لا كوقائع قضائية محسومة.
الأهم في التطور الحالي، بحسب التقرير، أن التعاون لم يعد يقوم فقط على عمليات شراء منفصلة. فالمغرب وإسرائيل أنشآ منذ 2020 لجنة عسكرية مشتركة توفر إطاراً منتظماً للتنسيق، فيما شهد اجتماعها الأخير في تل أبيب مطلع يناير 2026 تحديد أربعة مجالات رئيسية للتعاون، هي الابتكار التكنولوجي والصناعي، والجاهزية العملياتية، والاستخبارات والدفاع السيبراني، وتطوير القوات على المدى الطويل.
وهذا التطور هو الذي يمنح الشراكة طابعاً مختلفاً عن مجرد العلاقة التجارية بين زبون ومورّد للسلاح. فوفق التقرير الإسباني، يتجه الطرفان إلى بناء تعاون دفاعي طويل الأمد، يجمع بين اقتناء الأنظمة العسكرية وتبادل الخبرات والتنسيق المؤسساتي وتطوير القدرات التكنولوجية.
ويأتي هذا المسار في وقت تواصل فيه الرباط إعادة تشكيل ترسانتها العسكرية عبر مصادر متعددة، خصوصاً الولايات المتحدة وإسرائيل وفرنسا، بما يسمح لها بتنويع المعدات والأنظمة وعدم الارتهان لمصدر واحد. وفي المقابل، تنظر دوائر إسبانية إلى التطور المتسارع في القدرات المغربية باعتباره عاملاً ينبغي أخذه في الاعتبار عند تقييم التوازن العسكري في غرب المتوسط.
وفي أحدث تطور على المستوى السياسي، أعلنت إسرائيل والمغرب في سبتمبر 2026 اتفاقاً على تعزيز العلاقات الدبلوماسية وفتح سفارات وتعيين سفراء لدى البلدين، في خطوة تعكس استمرار مسار التقارب الذي بدأ في 2020.
وبذلك، فإن السنوات الست الماضية أفرزت انتقالاً واضحاً من التطبيع السياسي إلى تعاون دفاعي متعدد المستويات، لا يقتصر على شراء منظومات صاروخية أو طائرات مسيّرة، بل يمتد إلى الاستخبارات والدفاع السيبراني والاستطلاع الفضائي والتنسيق العسكري. أما مدى تأثير هذا التحول على ميزان القوى مع إسبانيا، فيظل موضوعاً لتقديرات وتحليلات مختلفة، لكن المؤكد أن حجم التعاون العسكري المغربي الإسرائيلي واتساع مجالاته أصبحا عنصراً ثابتاً في النقاش الأمني حول غرب المتوسط.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك