أنتلجنسيا:أبو فراس
عاد الجدل داخل إسبانيا حول حدود الحماية التي توفرها التحالفات العسكرية لمدريد إلى الواجهة، بعدما أثار العقيد الإسباني المتقاعد بيدرو بانيوس نقاشاً حساساً بشأن السيناريو الذي قد تواجهه بلاده في حال تحول الخلاف مع المغرب إلى مواجهة عسكرية، محذراً من افتراض أن عضوية إسبانيا في حلف شمال الأطلسي تعني بالضرورة تدخلاً عسكرياً آلياً من جميع الحلفاء.
وجاءت تصريحات بانيوس في مقطع مصور انتشر على نطاق واسع، تحدث فيه عن احتمال أن تجد إسبانيا نفسها في مواجهة منفردة إذا اندلع نزاع مسلح مع المغرب، مستبعداً، وفق قراءته، أن تتحول دول مثل الولايات المتحدة وفرنسا وألمانيا وبريطانيا تلقائياً إلى أطراف مقاتلة دفاعاً عن مدريد.
وتكتسب هذه التصريحات حساسية خاصة عندما يتعلق الأمر بمدينتي سبتة ومليلية، بالنظر إلى موقعهما الجغرافي على الساحل الشمالي للمغرب وإلى استمرار وجودهما ضمن أكثر الملفات السيادية تعقيداً في العلاقات المغربية الإسبانية.
وتعيد هذه المواقف إلى النقاش الإسباني سؤالاً قانونياً وسياسياً قديماً حول مدى انطباق آليات الدفاع الجماعي لحلف شمال الأطلسي على المدينتين، ولا سيما المادة الخامسة من معاهدة الحلف، التي تنص على مبدأ الدفاع الجماعي في حالة تعرض أحد الأعضاء لهجوم مسلح، مع وجود محددات جغرافية وقانونية تحيط بتطبيق المعاهدة.
وبالنسبة إلى مدريد، لا ترتبط الإشكالية فقط بقدرتها العسكرية الذاتية على حماية المدينتين، وإنما تمتد إلى طبيعة الالتزامات التي يمكن أن تتحملها الدول الحليفة إذا وقع نزاع مسلح في محيطهما، وإلى الكيفية التي يمكن أن يتعامل بها الحلف مع سيناريو بالغ التعقيد سياسياً واستراتيجياً.
ويأتي هذا النقاش في وقت شهدت فيه القوات المسلحة الملكية المغربية عملية تحديث متواصلة شملت مختلف مكونات المنظومة العسكرية، مع اهتمام خاص بالقوة الجوية والدفاع الجوي والأسلحة الدقيقة والقدرات المرتبطة بالمراقبة والاستطلاع.
كما عزز المغرب خلال السنوات الماضية شراكاته الدفاعية مع عدد من القوى الدولية، وفي مقدمتها الولايات المتحدة وإسرائيل، إلى جانب تطوير علاقاته العسكرية مع شركاء آخرين، وهو ما أدى إلى إدخال أنظمة ومنصات أكثر تطوراً إلى ترسانته العسكرية.
وفي الجانب الآخر، تمتلك إسبانيا منظومة دفاعية تستند إلى عضوية حلف شمال الأطلسي، إضافة إلى عضويتها في الاتحاد الأوروبي وشبكة واسعة من علاقات التعاون العسكري والأمني. غير أن سيناريو مواجهة مباشرة مع المغرب سيضع هذه المنظومة أمام مجموعة من الاعتبارات السياسية والعسكرية والقانونية، خصوصاً إذا ارتبط النزاع بسبتة ومليلية.
وتبرز الولايات المتحدة في قلب هذا النقاش بسبب طبيعة علاقاتها الدفاعية مع كل من مدريد والرباط. فواشنطن ترتبط بإسبانيا بتحالف أطلسي وثيق، وفي الوقت نفسه تعد من أبرز الشركاء العسكريين للمغرب، الذي حصل خلال السنوات الأخيرة على عدد من الأنظمة والأسلحة الأمريكية المتطورة.
ومن بين أبرز المعدات الأمريكية التي دخلت ضمن برامج تسليح المغرب مقاتلات F-16 Block 72، وبرامج تحديث مقاتلات F-16 إلى مستويات أكثر تطوراً، إضافة إلى صواريخ جو-جو من طراز AIM-120 AMRAAM، ومروحيات AH-64E Apache، ودبابات M1A1 Abrams، إلى جانب منظومات وذخائر وتجهيزات عسكرية أخرى.
وتطرح هذه المعطيات تساؤلات استراتيجية داخل إسبانيا بشأن طبيعة العلاقة بين واشنطن والرباط، ومدى إمكانية تصور تدخل أمريكي مباشر في أي مواجهة محتملة بين إسبانيا والمغرب، في ظل المصالح الدفاعية والأمنية التي تجمع الولايات المتحدة بالمغرب.
لكن تصريحات العقيد الإسباني تأتي في سياق مختلف عن سنوات التوتر السابقة بين الرباط ومدريد، إذ شهدت العلاقات الثنائية خلال السنوات الأخيرة تحسناً ملحوظاً في عدد من المجالات، خصوصاً التعاون الأمني ومكافحة الهجرة والتنسيق بشأن ملفات إقليمية، فضلاً عن تطور المبادلات الاقتصادية بين البلدين.
ورغم هذا التحسن، بقيت قضايا السيادة والحدود حاضرة في خلفية العلاقة الثنائية، وفي مقدمتها وضع سبتة ومليلية، إلى جانب الملفات المرتبطة بالأمن والهجرة وإدارة الحدود.
ومن هذا المنطلق، فإن الجدل الذي أعاده بانيوس إلى الواجهة لا يتعلق فقط باحتمال اندلاع مواجهة عسكرية، وإنما يتصل أيضاً بمدى قدرة مدريد على ترجمة شبكة تحالفاتها الدولية إلى التزامات عملية في حال تعرض مصالحها أو أراضيها لتهديد عسكري.
وتكشف هذه النقاشات عن تعقيد المعادلة الاستراتيجية في غرب المتوسط، حيث تتقاطع الاعتبارات السيادية المغربية والإسبانية مع التزامات الناتو، والعلاقات الدفاعية الأمريكية مع الرباط ومدريد، فضلاً عن الموقع الاستراتيجي لسبتة ومليلية ومضيق جبل طارق.
وبينما لا تعني تصريحات مسؤول عسكري متقاعد بالضرورة موقفاً رسمياً للحكومة الإسبانية أو لحلف شمال الأطلسي، فإن إعادة طرح هذا السيناريو تعكس استمرار النقاش داخل الأوساط السياسية والعسكرية الإسبانية حول طبيعة الضمانات التي يمكن أن توفرها التحالفات الدولية في حالة نشوب أزمة عسكرية غير مسبوقة مع المغرب.
وفي المحصلة، يبقى ملف سبتة ومليلية واحداً من أكثر الملفات حساسية في الحسابات الأمنية لغرب المتوسط، بينما يجعل التطور المتواصل في القدرات العسكرية المغربية وطبيعة الشراكات الدفاعية التي نسجتها الرباط خلال السنوات الماضية أي نقاش حول مستقبل التوازن العسكري بين البلدين مرتبطاً، بشكل متزايد، بعوامل تتجاوز القدرات الوطنية لكل طرف إلى شبكة التحالفات والمصالح الدولية المحيطة بالمنطقة.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك