أنتلجنسيا:أبو فراس
أثار تصنيف حديث لموقع "غلوبال فاير باور" الخاص بالقدرات العسكرية العالمية موجة جديدة من النقاش داخل الأوساط المهتمة بالشؤون الدفاعية، بعدما وضع مصر في صدارة الدول الإفريقية من حيث عدد الغواصات العاملة، متبوعة بالجزائر ثم جنوب إفريقيا، في وقت غاب فيه المغرب عن اللائحة بشكل كامل.
غير أن هذا النوع من التصنيفات يظل محل جدل واسع بين الخبراء، بالنظر إلى طبيعة المعلومات العسكرية التي تخضع في معظم دول العالم لدرجات عالية من السرية، فضلا عن أن المعايير الحقيقية المعتمدة في إعداد مثل هذه المؤشرات لا تكون دائما واضحة أو قابلة للتحقق بشكل مستقل.
وبحسب المعطيات المنشورة، جاءت مصر في المركز الأول إفريقيا بثماني غواصات، تليها الجزائر بست غواصات، ثم جنوب إفريقيا بثلاث غواصات فقط. ويستند التصنيف إلى عدد القطع البحرية المعلنة التي توجد في الخدمة، لكنه لا يقدم صورة كاملة عن القدرات العسكرية الفعلية لكل دولة، خاصة في مجال حساس مثل الحرب البحرية تحت سطح البحر.
ويرى متابعون أن اختزال القوة البحرية في عدد الغواصات فقط يعد مقاربة ناقصة، لأن فعالية أي أسطول بحري لا تقاس بعدد القطع العسكرية وحدها، بل تشمل أيضا مستوى التكنولوجيا المستخدمة، وأنظمة التسليح، وكفاءة الأطقم، والقدرات الاستخباراتية، وشبكات الرصد والاستطلاع، ومدى التكامل مع القوات الجوية والبحرية الأخرى.
كما أن جزءا مهما من القدرات الحقيقية للجيوش يبقى بعيدا عن الأضواء، سواء تعلق الأمر بالمعدات أو بالخطط العملياتية أو بمستويات الجاهزية القتالية.
ويكتسي غياب المغرب عن هذا التصنيف أهمية خاصة بالنظر إلى أن تقارير إعلامية دولية عديدة تحدثت خلال السنوات الماضية عن اهتمام الرباط بتعزيز قدراتها البحرية وتحديث أسطولها العسكري، من خلال دراسة عروض مختلفة مرتبطة بالغواصات ومنظومات الدفاع البحري المتطورة.
غير أن السلطات المغربية لم تعلن رسميا عن امتلاك أي غواصات أو إدخالها إلى الخدمة، ما يجعل أي استنتاجات نهائية حول القدرات الحقيقية للمملكة في هذا المجال أمرا بالغ التعقيد.
ويؤكد عدد من المختصين أن الملفات الدفاعية لا تخضع دائما لمنطق الشفافية الكاملة، خصوصا في المناطق التي تعرف تنافسا استراتيجيا متزايدا.
ولذلك فإن غياب دولة ما عن تصنيف معين لا يعني بالضرورة غياب القدرات أو المشاريع المستقبلية المرتبطة بها، كما أن ظهور دول أخرى في المراتب الأولى لا يكشف تلقائيا الحجم الحقيقي لقوتها العسكرية تحت الماء.
ورغم أن مصر تتصدر اللائحة بفضل أسطولها الذي يضم غواصات ألمانية حديثة من طراز "تايب 209"، فيما تعتمد الجزائر بشكل أساسي على غواصات "كيلو" الروسية المعروفة بقدراتها العملياتية، فإن القراءة الموضوعية للمشهد العسكري الإفريقي تفرض التعامل بحذر مع هذه الأرقام.
فالقوة العسكرية ليست معادلة حسابية بسيطة، بل منظومة متشابكة من الإمكانات التقنية والبشرية والاستخباراتية واللوجستية التي لا تظهر كلها في التقارير المفتوحة للعموم.
كما أن موقع "غلوبال فاير باور" نفسه يعتمد على قواعد بيانات ومصادر مفتوحة ومعلومات متاحة للجمهور، وهو ما يطرح تساؤلات دائمة حول مدى دقة بعض الأرقام المرتبطة بجيوش تحيط جزءا كبيرا من برامجها الدفاعية بالسرية.
ولهذا السبب كثيرا ما تواجه التصنيفات العسكرية العالمية انتقادات من خبراء يعتبرون أن جزءا مهما من القدرات الاستراتيجية لا يمكن قياسه عبر المعطيات المنشورة فقط.
وفي نهاية المطاف، قد تمنح هذه المؤشرات صورة عامة عن موازين القوى داخل القارة الإفريقية، لكنها لا تقدم الحقيقة الكاملة. فالجيوش لا تكشف كل أوراقها، والقدرات العسكرية الحقيقية لا تختزل في عدد الغواصات أو السفن أو الطائرات، بل في ما تمتلكه الدول من جاهزية وخطط وقدرات ردع تبقى في أغلب الأحيان بعيدة عن أعين التصنيفات الدولية ووسائل الإعلام.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك