أنتلجنسيا:أبو فراس
يقود المغرب منذ سنوات قليلة ثورة تصنيعية عسكرية هادئة لكنها مرعبة، حولته من أكبر مستوردي السلاح في إفريقيا إلى قوة إقليمية تصنع سلاحها بيدها وتستعد لتصديره لجيرانه.
وكشف مسار التحول عن استراتيجية ملكية واضحة المعالم، انطلقت سنة 2020 بإقرار قانون تاريخي سمح لأول مرة في تاريخ المملكة بممارسة أنشطة تصنيع وتجارة واستيراد وتصدير ونقل وعبور المعدات والتجهيزات العسكرية، مع إحداث نظام ترخيص صارم ونظام تتبع ومراقبة للوثائق يقطع مع زمن الفوضى.
وتوج هذا المسار بقرار سيادي خطير اتخذه المجلس الوزاري برئاسة الملك محمد السادس والقاضي بإنشاء منطقتين صناعيتين للدفاع، منصات تسريعية عملاقة هدفها المعلن جذب الاستثمارات الأجنبية في مجالات الأسلحة والذخيرة ومعدات الدفاع والأمن، وتقليص الاعتماد على الخارج وبناء قاعدة صناعية وطنية مستقلة.
وبرزت أولى ثمار هذا الورش الضخم على أرض الواقع في المنطقة الصناعية ببرشيد، حيث افتتحت في شتنبر 2025 قبل موعدها المحدد وحدة صناعية حديثة على مساحة 20 ألف متر مربع لإنتاج المدرعات القتالية المتطورة WhAP 8x8 بشراكة هندية-مغربية، في خطوة غير مسبوقة ستتبعها حسب معطيات متطابقة منشأة ضخمة لاختبار الدبابات تمهيدا لإنشاء أول مصنع وطني للدبابات الثقيلة سنة 2026.
وامتدت الطفرة إلى سماء الحروب الحديثة، حيث تحول المغرب إلى مركز إقليمي لصناعة المسيّرات، فبعد تسلمه سنة 2025 مسيّرات آقنجي الفتاكة وهي النسخة الأكثر تطورا من بيرقدار، أنشأت الشركة التركية بايكار مصنعا لها في المغرب لتسريع التسليم وتزويد دول إفريقية أخرى، وهو ما أكده محللون بأن هذا المصنع لن يخدم المغرب فحسب بل سيغذي المنطقة كلها.
وأطلقت في نفس السياق شركة إيرو درايف للخدمات الهندسية وهي شركة مغربية 100% مسيّرتها الاستخباراتية أطلس إيستار سنة 2024 المخصصة لجمع المعلومات الاستخباراتية العسكرية، لتؤكد أن الكفاءات المحلية دخلت على خط المنافسة في مجال كان حكرا على القوى العظمى.
واستند هذا الصعود الصاروخي إلى شبكة تحالفات ذكية لنقل التكنولوجيا، ففي 2019 وقع المغرب أول اتفاقية تعاون عسكري مع البرازيل في المنطقة المغاربية شملت نقل التكنولوجيا وتدريب الضباط، قبل أن يوسع شراكاته مع الهند وإسرائيل والولايات المتحدة لضمان تنويع مصادر السلاح وعدم الارتهان لطرف واحد.
ويهدف هذا التحول العميق إلى تحقيق ثلاثة أهداف قاتلة في نفس الوقت، تقليص فاتورة الاستيراد التي كانت تستنزف المليارات، وتحديث الجيش بمعدات حديثة مثل الدرونات والذكاء الاصطناعي، وتحويل المملكة إلى منصة تصدير نحو أسواق إفريقيا والشرق الأوسط، وهو ما يفسر لماذا تراقب إسبانيا والجزائر بقلق شديد مصنع برشيد الذي اعتبره إعلام إسباني تهديدا حقيقيا لجيرانه.
وتؤكد كل المؤشرات أن المغرب لم يعد يلعب في دوري الصغار، بل دخل رسميا نادي الدول المصنعة للسلاح بخطى ثابتة، في مشروع دولة لا مشروع حكومة، يرسم ملامح قوة إقليمية جديدة تفرض احترامها بسلاح صنع في المغرب.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك