أنتلجنسيا المغرب:أميمة . م
أعاد الاتفاق الإطاري الذي تم التوصل
إليه بين لبنان وإسرائيل برعاية أمريكية خلط الأوراق السياسية في منطقة الشرق
الأوسط، بعدما اعتبره كثيرون تطورًا غير مسبوق في مسار العلاقة بين البلدين اللذين
يعيشان حالة عداء منذ عقود طويلة. وقد فتح الإعلان عن الاتفاق بابًا واسعًا من
النقاش الداخلي والإقليمي حول مستقبل الأمن والاستقرار، كما أثار تباينًا كبيرًا
في المواقف بين القوى السياسية اللبنانية، وسط ترقب دولي لكيفية تنفيذ بنوده على
أرض الواقع.
يقوم الاتفاق على رؤية تهدف إلى إنهاء
المواجهات العسكرية وتهيئة الظروف لمرحلة جديدة تقوم على تثبيت الأمن في جنوب
لبنان، مع تعزيز دور الدولة اللبنانية ومؤسساتها الأمنية باعتبارها الجهة الوحيدة
المخولة بممارسة السلطة العسكرية داخل الأراضي اللبنانية. ويُنظر إلى هذا البند
باعتباره من أكثر النقاط حساسية، لأنه يرتبط مباشرة بمستقبل السلاح خارج مؤسسات
الدولة.
المواقف اللبنانية جاءت متباينة بشكل
واضح، إذ رحبت بعض القوى السياسية بأي خطوة من شأنها إنهاء دوامة الحروب المتكررة
وفتح الباب أمام إعادة الإعمار واستعادة الاستقرار الاقتصادي، بينما اعتبرت قوى
أخرى أن الاتفاق يتضمن تنازلات سياسية وأمنية قد تمس بالسيادة الوطنية أو تفرض
وقائع جديدة لا تحظى بإجماع داخلي.
في المقابل، ترى إسرائيل أن الاتفاق
يمثل فرصة لإبعاد التهديدات العسكرية عن حدودها الشمالية، وأن نجاحه سيؤدي إلى
تقليص احتمالات اندلاع مواجهات جديدة، كما تعتبر أن تنفيذ الالتزامات الأمنية الواردة
فيه يشكل الشرط الأساسي لأي انسحاب كامل من المناطق التي لا تزال تشهد وجودًا
عسكريًا.
الولايات المتحدة قدمت نفسها
باعتبارها الضامن الرئيسي لمسار الاتفاق، مؤكدة أن الهدف يتمثل في منع عودة
التصعيد وخلق بيئة تسمح بترسيخ الأمن والاستقرار على جانبي الحدود، مع الاستعداد
لتقديم الدعم السياسي والاقتصادي لإنجاح المرحلة المقبلة وإعادة تأهيل المناطق
المتضررة.
لكن العقبة الأكبر تبقى في آليات
التنفيذ، فالتحديات السياسية والأمنية داخل لبنان تجعل تطبيق الاتفاق مهمة معقدة،
خصوصًا في ظل الانقسامات الداخلية والتوازنات الدقيقة التي تحكم الحياة السياسية،
إضافة إلى حساسية الملف بالنسبة للقوى الإقليمية المؤثرة في الساحة اللبنانية.
اقتصاديًا، يعول كثيرون على أن يؤدي
نجاح الاتفاق إلى جذب الاستثمارات الخارجية وتحريك عجلة إعادة الإعمار وإنعاش
القطاعات الإنتاجية التي تضررت بشدة خلال سنوات التوتر، وهو ما قد يمنح الاقتصاد
اللبناني فرصة لالتقاط أنفاسه بعد أزمات متلاحقة أنهكت الدولة والمجتمع.
أما على المستوى الإقليمي، فإن
الاتفاق قد يفتح الباب أمام ترتيبات سياسية وأمنية أوسع إذا تمكنت الأطراف من
تجاوز العقبات الحالية، لكنه في الوقت نفسه يبقى معرضًا للاهتزاز مع أي تطور
ميداني أو سياسي يعيد إشعال التوترات على الحدود.
ويبقى مستقبل هذا الاتفاق مرتبطًا
بمدى قدرة جميع الأطراف على الالتزام بما تم التوافق عليه، وتحويل النصوص السياسية
إلى خطوات عملية تضمن الأمن والاستقرار، لأن أي إخفاق في التنفيذ قد يعيد المنطقة
إلى دائرة التصعيد ويبدد الآمال التي رافقت الإعلان عن هذا التطور السياسي البارز.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك