الأرقام تصدم السياسيين وملايين المغاربة يُديرون ظهورهم للأحزاب قبل انتخابات الحسم

الأرقام تصدم السياسيين وملايين المغاربة يُديرون ظهورهم للأحزاب قبل انتخابات الحسم
تقارير / الإثنين 17 غشت 2026 / لا توجد تعليقات: لمجيد

أنتلجنسيا:أبو جاسر

مع اقتراب موعد الاستحقاقات الانتخابية المقبلة، تكشف المؤشرات الجديدة عن أزمة سياسية عميقة تتجاوز مجرد نسب المشاركة المعلنة، وتضع الأحزاب المغربية أمام امتحان صعب يتعلق بقدرتها على استعادة ثقة المواطنين الذين باتوا يبتعدون بشكل متزايد عن صناديق الاقتراع رغم استمرار تمسكهم بخيار الديمقراطية والتعددية السياسية.

وأظهرت دراسة حديثة صادرة عن المركز الإفريقي للدراسات الاستراتيجية والرقمنة أن العزوف الانتخابي في المغرب لا يرتبط برفض النظام الديمقراطي أو التشكيك في جدوى المؤسسات المنتخبة بقدر ما يعكس تراجعاً حاداً في ثقة المواطنين بالأحزاب السياسية وأدائها خلال السنوات الأخيرة.

وكشفت الدراسة أن عدد المواطنين الذين كانوا في سن التصويت خلال انتخابات 2021 بلغ حوالي 25.23 مليون شخص، بينما لم يتجاوز عدد المسجلين في اللوائح الانتخابية 17.51 مليوناً، في حين شارك فعلياً في التصويت نحو 8.8 ملايين ناخب فقط، ما يعني أن ما يقارب 16.4 مليون مغربي ظلوا خارج العملية الانتخابية برمتها.

وتبرز هذه المعطيات صورة مغايرة تماماً للقراءة التقليدية لنسب المشاركة، إذ إن المشاركين فعلياً لم يمثلوا سوى نحو 35 في المائة من إجمالي المواطنين الذين يحق لهم التصويت، وهو رقم يسلط الضوء على حجم الفجوة المتنامية بين المؤسسات السياسية وشرائح واسعة من المجتمع.

وترى الدراسة أن جوهر الأزمة لا يكمن في الديمقراطية نفسها، بل في فقدان الأحزاب لدورها التاريخي كوسيط بين المواطن ومراكز القرار. فالمغاربة، وفق المعطيات المتوفرة، ما زالوا يؤمنون بالنظام البرلماني والتعددية السياسية، غير أنهم أصبحوا أقل اقتناعاً بقدرة الأحزاب على الدفاع عن مصالحهم وتحويل مطالبهم إلى سياسات عمومية ملموسة.

وتعزز نتائج "الباروميتر العربي" هذه الخلاصة، بعدما أظهرت أن 68 في المائة من المستجوبين يؤيدون النظام البرلماني متعدد الأحزاب، مقابل 18 في المائة فقط يثقون في الأحزاب السياسية، بينما لم تتجاوز نسبة الثقة في البرلمان 38 في المائة وفي الحكومة 33 في المائة.

وتعتبر الدراسة أن الأحزاب أصبحت منشغلة أكثر بتدبير التحالفات والصراعات التنظيمية وتقاسم المواقع الانتخابية، على حساب بلورة مشاريع سياسية واضحة وبرامج قابلة للقياس والمحاسبة، الأمر الذي جعل الناخب المغربي يجد نفسه أمام لوائح وأسماء انتخابية أكثر مما يجد نفسه أمام رؤى سياسية متكاملة.

كما توقفت الوثيقة عند التحولات الكبيرة التي شهدتها الخريطة السياسية خلال انتخابات 2021، مؤكدة أن بعض التغييرات لم تكن نتيجة تحولات في المزاج الانتخابي فقط، بل تأثرت أيضاً بتعديلات قانونية مرتبطة بطريقة احتساب القاسم الانتخابي، وهو ما ساهم في إعادة توزيع المقاعد بشكل مختلف عن الاستحقاقات السابقة.

وفي الجانب الاجتماعي، ربطت الدراسة بين أزمة المشاركة الانتخابية والأوضاع الاقتصادية الصعبة، خاصة في أوساط الشباب الذين يواجهون معدلات بطالة مرتفعة وصلت إلى أكثر من 37 في المائة لدى الفئة العمرية بين 15 و24 سنة، فضلاً عن استمرار التحديات المرتبطة بالشغل والتعليم والعدالة الاجتماعية.

ورغم هذا الابتعاد عن صناديق الاقتراع، تؤكد الدراسة أن الشباب لم يغادروا المجال السياسي، بل نقلوا جزءاً كبيراً من تفاعلهم إلى الفضاء الرقمي، حيث أصبحت منصات التواصل الاجتماعي ساحة للنقاش والتعبير عن المواقف والاحتجاج على الاختلالات، في وقت تجد فيه الأحزاب صعوبة متزايدة في التواصل مع هذه الفئة عبر أساليبها التقليدية.

وفي المقابل، سجلت الدراسة تطوراً ملحوظاً في حضور النساء داخل المؤسسة التشريعية، حيث ارتفعت نسبة تمثيليتهن من 10 في المائة سنة 2002 إلى أكثر من 24 في المائة سنة 2021، معتبرة أن الإصلاحات المؤسساتية قادرة على إحداث تغيير فعلي متى توفرت الإرادة السياسية والآليات المناسبة.

وترى الوثيقة أن إعادة الناخبين إلى صناديق الاقتراع لن تتحقق عبر الشعارات الانتخابية الموسمية أو الحملات التعبوية التقليدية، بل من خلال إعادة بناء الثقة المفقودة، وتجديد النخب الحزبية، وتعزيز الديمقراطية الداخلية، وربط الوعود الانتخابية بنتائج ملموسة يشعر المواطن بأثرها في حياته اليومية.

وتخلص الدراسة إلى أن التحدي الأكبر الذي يواجه المشهد السياسي المغربي اليوم لا يتعلق بإقناع المواطنين بالديمقراطية، لأن أغلبهم ما زال يؤمن بها، بل بإقناعهم بأن الأحزاب قادرة فعلاً على تمثيلهم والدفاع عن مصالحهم. وبين الإيمان بالديمقراطية وفقدان الثقة في الأحزاب تتشكل واحدة من أكبر الأزمات السياسية التي تنتظر حلولاً حقيقية قبل انتخابات السنوات المقبلة.

لا توجد تعليقات:

للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.

أضف تعليقك