هل يرهن المغرب قراره العسكري لواشنطن على حساب أزماته الاجتماعية؟ وتسلّح بمليارات الدولارات

هل يرهن المغرب قراره العسكري لواشنطن على حساب أزماته الاجتماعية؟ وتسلّح بمليارات الدولارات
شؤون أمنية وعسكرية / الجمعة 16 يناير 2026 / لا توجد تعليقات:

أنتلجنسيا:ياسر اروين

في لحظة إقليمية دقيقة، اختار المغرب أن يعمّق ارتهانه العسكري للولايات المتحدة عبر صفقة تسليح جديدة تقارب قيمتها 825 مليون دولار، في خطوة تثير أكثر من سؤال حول كلفة هذا التوجه على استقلال القرار السيادي، وحول أولويات الإنفاق العمومي في بلد يرزح تحت ضغوط اجتماعية واقتصادية خانقة.

الصفقة، التي جرى إخطار الكونغرس الأميركي بها رسميا، لا تعكس فقط تعاقدا تقنيا لاقتناء أسلحة، بل تكشف مسارا متسارعا لوضع الأمن العسكري المغربي داخل المنظومة الاستراتيجية الأميركية، بشروطها ومعاييرها وحساباتها الجيوسياسية.

وتشمل الصفقة المذكورة، منظومات دفاع جوي وصواريخ متطورة، من بينها مئات من صواريخ “ستينغر” قصيرة المدى، وصواريخ “أمرام” بعيدة المدى، إضافة إلى حزمة خدمات لوجستية وتقنية وهندسية، ما يعني أن الجزء الأكبر من القيمة المالية سيعود إلى الشركات الأميركية.

في مقابل تبعية تشغيلية طويلة الأمد، تشمل الصيانة، والتكوين، وقطع الغيار، والتحديثات الدورية. وبهذا، لا يقتصر الأمر على شراء السلاح، بل يمتد إلى ربط العقيدة الدفاعية المغربية بالكامل بالبنية العسكرية الأميركية.

وتبرر واشنطن هذه الصفقات باعتبار المغرب “حليفا رئيسيا من خارج الناتو”، وبحجة دعم الاستقرار في شمال أفريقيا.

غير أن هذا التصنيف نفسه يطرح إشكالا سياديا عميقا، إذ يجعل الجيش المغربي جزءا من شبكة تحالفات تقودها الولايات المتحدة.

ويقيد هامش قراره المستقل، في حالات التوتر أو النزاعات، خصوصا أن قابلية التشغيل البيني مع القوات الأميركية تفرض توحيد الأنظمة، والعقائد، وحتى سيناريوهات التدخل، بما يخدم أولويات الحليف الأقوى.

من جهة أخرى، وفي الوقت الذي تُضخ فيه مئات ملايين الدولارات في صفقات السلاح، يعيش المغرب واقعا اجتماعيا مثقلا بالأزمات، حيث تدهور القدرة الشرائية، ارتفاع معدلات البطالة، هشاشة المنظومة الصحية، اختلالات التعليم، واتساع رقعة الفقر في العالمين القروي والهامشي.

وهو ما يفتح نقاشا حادا حول جدوى هذا الإنفاق العسكري الضخم، وحول منطق تحويل موارد نادرة إلى ترسانة مستوردة، بدل توجيهها إلى الاستثمار في الإنسان والبنية الاجتماعية والاقتصادية.

وتكشف تفاصيل الصفقة أن أزيد من ثلث قيمتها مخصص للخدمات المصاحبة، وليس للمعدات نفسها، ما يعمّق التبعية التقنية ويجعل أي خلل سياسي مع واشنطن تهديدا مباشرا للجاهزية العسكرية.

كما أن تراكم صفقات “باتريوت” و”أمرام” و”ستينغر”، يعزز صورة جيش يعتمد بشكل شبه كلي على التكنولوجيا الأميركية، في مقابل غياب نقاش عمومي شفاف حول الكلفة، والمردودية، والبدائل الممكنة.

ويرى محللون ناقدون، أن خطاب “التحديث العسكري” و”الاستثمار الاستراتيجي” يخفي في الواقع تآكلا تدريجيا للاستقلالية الدفاعية، ويحوّل الأمن الوطني إلى ملف مرتبط بإرادة الخارج، لا بقرار وطني سيادي خالص.

كما أن الحديث عن عدم الإخلال بالتوازن الإقليمي، وهو تعبير نمطي في بلاغات البنتاغون، لا يبدد المخاوف من سباق تسلح مكلف، تكون فاتورته الاجتماعية مؤجلة لكنها مؤكدة.

في المحصلة، تضع هذه الصفقة المغرب أمام مفارقة صارخة، دولة تضخ مئات الملايين في السلاح المستورد، بينما تعجز عن توفير الحد الأدنى من العدالة الاجتماعية والخدمات الأساسية لمواطنيها.

وبينما تُقدَّم الشراكة العسكرية مع واشنطن كضمانة للأمن، يتساءل كثيرون إن كان الثمن الحقيقي هو فقدان جزء من القرار السيادي، وإعادة ترتيب الأولويات الوطنية بما يخدم مصالح الحليف الأميركي أكثر مما يخدم حاجات المجتمع المغربي.

لا توجد تعليقات:

للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.

أضف تعليقك