أنتلجنسيا المغرب: أبو ملاك
في المغرب، لم
يعد الحديث عن أزمة الصحة العمومية مجرد نقاش عابر أو انتقاد عابر للسياسات
الحكومية، بل أصبح انعكاساً لمعاناة يومية يعيشها مواطنون يجدون أنفسهم في مواجهة
الانتظار الطويل، ونقص التجهيزات، وصعوبة الحصول على موعد طبي، وكأن المرض وحده لا
يكفي لمعاقبتهم. والأكثر إيلاماً أن المواطن الذي لا يملك المال للجوء إلى المصحات
الخاصة يجد نفسه محاصراً بين حاجته إلى العلاج وإمكاناته المحدودة.
وكشفت نتائج
استطلاع للمركز المغربي للمواطنة أن 87.3 في المئة من المشاركين غير راضين عن
خدمات الصحة العمومية، وهي نسبة تطرح أسئلة ثقيلة حول واقع المستشفيات ومدى قدرتها
على الاستجابة لحاجيات المواطنين. فحين تصل مستويات عدم الرضا إلى هذا الحد، لا
يعود الأمر مجرد شكاوى معزولة، بل يصبح مؤشراً يستدعي الوقوف الجدي عند أسباب
الاختلالات ومدى فعالية الإصلاحات المعلنة.
داخل عدد من
المؤسسات الصحية، تتكرر شكاوى المرضى بشأن طول الانتظار ونقص بعض المستلزمات
الطبية وصعوبة الولوج إلى الفحوصات والعلاجات. وفي خضم هذه المعاناة، تجد أسر
محدودة الدخل نفسها مضطرة إلى تدبير مصاريف إضافية، من التنقل إلى شراء الأدوية أو
إجراء الفحوصات خارج المستشفى، في وقت يفترض فيه أن يخفف العلاج العبء عن المرضى
لا أن يضاعف معاناتهم.
والغضب
الحقيقي لا يرتبط فقط بنقص الموارد أو الضغط الذي تعانيه الأطر الصحية، بل أيضاً
بالفجوة بين الوعود بتحسين الخدمات والواقع الذي يصفه المواطنون. فالإصلاح لا
يُقاس بعدد التصريحات أو المشاريع المعلنة، وإنما بقدرة المريض على مقابلة الطبيب
في الوقت المناسب، والحصول على العلاج الضروري، وتلقي الرعاية في ظروف تحفظ
كرامته. كما أن تحميل العاملين في القطاع وحدهم مسؤولية الأزمة يتجاهل حجم
التحديات البنيوية التي تحتاج إلى حلول شاملة ومحاسبة واضحة.
إن استمرار
هذا الوضع يهدد الثقة في المرفق الصحي العمومي، ويعمّق الإحساس بعدم الإنصاف بين
من يستطيع تحمل تكاليف العلاج الخاص ومن لا يملك سوى انتظار دوره في المستشفى
العمومي. والمطلوب اليوم ليس مزيداً من التبريرات، بل إجراءات ملموسة لتحسين
التجهيزات، وتوفير الأدوية، وتعزيز الموارد البشرية، وضمان توزيع عادل للخدمات بين
المدن والمناطق القروية. فصحة المواطن ليست امتيازاً تمنحه الظروف، ولا ملفاً يمكن
تأجيله إلى أجل غير مسمى، بل حق أساسي لا يجوز أن تتحول المطالبة به إلى معركة
يومية.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك