أنتلجنسيا:محمد سيتاشني
في مشهد بات يتكرر مع اقتراب كل محطة انتخابية، تتحول بعض الملفات التنموية والاجتماعية إلى وقود للمزايدات السياسية، حيث يختفي المنتخبون ورؤساء الجماعات عن أداء أدوارهم الدستورية والتنموية، ثم يعودون إلى الواجهة عندما تتفاقم الأوضاع لتوجيه أصابع الاتهام نحو السلطات المحلية، في محاولة مكشوفة لإعادة رسم مواقعهم الانتخابية واستثمار معاناة المواطنين في معارك سياسية مبكرة.
هذا الواقع برز من جديد بإقليم أزيلال، بعدما شهد دوار المسا التابع لجماعة تفني تحركات احتجاجية كان من المرتقب أن تتطور إلى مسيرة ميدانية، قبل أن تتدخل السلطات المحلية وفق مقاربة استباقية قائمة على التواصل المباشر والإنصات للمواطنين، ما ساهم في احتواء الوضع وإعادة النقاش إلى إطاره المؤسساتي والقانوني.
وإذا كان من حق الساكنة التعبير عن مطالبها المشروعة المرتبطة بالتنمية والخدمات الأساسية، فإن السؤال الذي يفرض نفسه بقوة هو: أين كان المنتخبون ورؤساء الجماعات طيلة السنوات الماضية؟ وأين كانت أدوارهم في الترافع عن هذه الملفات داخل المجالس المنتخبة والمؤسسات الوصية؟ ولماذا لا يتحرك بعضهم إلا عندما تتحول المشاكل إلى أزمات قابلة للاستثمار السياسي والإعلامي؟
فالعديد من المتابعين للشأن المحلي يعتبرون أن جزءاً مهماً من الاحتقان الذي تعرفه بعض المناطق لا يعود فقط إلى الإكراهات التنموية أو محدودية الإمكانيات، بل إلى فشل بعض المنتخبين في أداء مهامهم الأساسية، واكتفائهم بلعب دور المتفرج في انتظار تحميل المسؤولية للإدارة الترابية والسلطات العمومية كلما ارتفعت أصوات المواطنين المحتجين.
وفي حالة دوار المسا، اختارت السلطات المحلية نهجاً مغايراً، حيث تم التعامل مع الوضع وفق مقاربة ميدانية قائمة على الحوار والتواصل المباشر مع ممثلي الساكنة، والاستماع إلى مختلف الانشغالات المطروحة في جو من المسؤولية والهدوء. كما جرى فتح قنوات النقاش حول الملفات المطروحة، مع التأكيد على مواصلة تتبعها وفق المساطر القانونية والإمكانيات المتاحة.
ويأتي هذا التدخل في سياق الدينامية التي يقودها عامل إقليم أزيلال حسن الزيتوني، والتي تقوم على إدارة القرب والنزول إلى الميدان قبل وصول الأوضاع إلى مراحل متقدمة من التوتر. وهي مقاربة يعتبرها متابعون محاولة لإعادة بناء جسور الثقة بين الإدارة والمواطن، بعيداً عن الحسابات الضيقة التي يسعى بعض الفاعلين إلى تغذيتها كلما اقتربت المواعيد الانتخابية.
غير أن ما يثير الانتباه أكثر هو أن بعض المنتخبين يجدون في الاحتجاجات فرصة سانحة لإخفاء حصيلة تدبيرهم المحلي، وتحويل الأنظار عن مسؤولياتهم المباشرة في تعثر عدد من المشاريع والخدمات. فبدل تقديم حلول عملية أو مبادرات ميدانية لمعالجة الإشكالات، يتم توجيه النقاش نحو السلطة المحلية وكأن الجماعات المنتخبة لا تملك اختصاصات ولا ميزانيات ولا مسؤوليات قانونية واضحة.
ويرى مراقبون أن التسخينات الانتخابية المبكرة بدأت بالفعل في عدد من المناطق، حيث تحاول بعض الجهات إعادة إنتاج خطاب المظلومية وتحميل الإدارة الترابية تبعات اختلالات تعود في الأصل إلى سوء التدبير المحلي أو غياب الترافع الجدي عن قضايا المواطنين. وهو ما يجعل من الضروري إعادة ترتيب المسؤوليات ووضع كل طرف أمام التزاماته القانونية والأخلاقية.
فالسلطة الترابية ليست بديلاً عن الجماعات المنتخبة، كما أن العامل أو القائد أو الباشا ليسوا منتخبين من طرف المواطنين لتدبير الشأن المحلي اليومي. هذه المهام أوكلها القانون لرؤساء الجماعات وأعضاء المجالس المنتخبة الذين يفترض فيهم أن يكونوا في مقدمة المدافعين عن مصالح السكان، لا أن يتحولوا إلى أول المنتقدين بعد سنوات من الصمت أو التقصير.
لقد أظهرت واقعة دوار المسا مرة أخرى أن الحوار المباشر والإنصات الميداني قادران على تبديد التوتر وفتح آفاق للحلول، لكن الرسالة الأهم التي تخرج من هذا الحدث هي أن التنمية لا يمكن أن تتحقق عبر صناعة الأزمات أو توظيفها انتخابياً. فالمواطن لم يعد يبحث عن خطابات التبرير وتبادل الاتهامات، بل عن نتائج ملموسة ومشاريع واقعية وتحمل حقيقي للمسؤولية.
ومع اقتراب الاستحقاقات المقبلة، يبدو أن الرهان الحقيقي لن يكون في من يجيد رفع الشعارات أو توجيه الاتهامات، بل في من يستطيع إقناع المواطنين بأنه أدى واجبه عندما كان في موقع القرار. أما تحويل معاناة الساكنة إلى منصة انتخابية مبكرة، فلن يكون سوى محاولة جديدة للهروب إلى الأمام في مشهد سياسي بات المواطن يقرأ تفاصيله بدقة أكبر مما يعتقد البعض.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك