أنتلجنسيا المغرب: فهد الباهي/م.إيطاليا
يخلد الشعب المغربي، يوم 6 نونبر من
كل سنة، ذكرى المسيرة الخضراء المظفرة، التي تعد واحدة من أبرز المحطات التاريخية
في مسار المملكة المغربية الحديث، حيث يستحضر المغاربة بهذه المناسبة الوطنية
الحدث الذي شهد مشاركة مئات الآلاف من المواطنين الذين لبوا نداء الملك الراحل
الحسن الثاني للمشاركة في مسيرة سلمية نحو الصحراء، في تعبير عن التشبث بالوحدة
الترابية واستحضار الروابط التاريخية التي تجمع المغرب بأقاليمه الجنوبية، وقد تحولت
هذه الذكرى إلى مناسبة وطنية سنوية تستحضر فيها الأجيال الجديدة معاني التضحية
والتعبئة والتلاحم بين العرش والشعب.
وتعود أحداث هذه الملحمة التاريخية
إلى السادس من نونبر سنة 1975، عندما انطلقت المسيرة الخضراء بمشاركة نحو 350 ألف
متطوع ومتطوعة من مختلف مناطق المملكة، استجابة للنداء الذي وجهه الملك الراحل
الحسن الثاني، حيث حمل المشاركون المصاحف والأعلام الوطنية في مسيرة سلمية جسدت
التعبئة الشعبية الواسعة حول قضية الصحراء، وشكلت هذه المبادرة حدثا استثنائيا في
تاريخ المغرب بالنظر إلى حجم المشاركة الشعبية وطبيعة التحرك الذي اعتمد على
الطابع السلمي، كما أصبحت المسيرة رمزا وطنيا ارتبط في الذاكرة الجماعية بمعاني
الوحدة والتضامن والانتماء الوطني.
وتكتسي هذه المناسبة أهمية خاصة في
الوجدان المغربي، باعتبارها محطة تستحضر فيها المملكة مرحلة دقيقة من تاريخها
السياسي والدبلوماسي، وما رافقها من تحولات إقليمية ودولية بشأن قضية الصحراء، وقد
شكلت المسيرة الخضراء منعطفا مهما في مسار الأحداث التي أعقبتها، خاصة بعد توقيع
اتفاقية مدريد في 14 نونبر 1975، التي ارتبطت بإنهاء الوجود الإسباني في الصحراء،
وتظل هذه المرحلة موضوعا حاضرا في الذاكرة التاريخية والسياسية للمملكة، بالنظر
إلى انعكاساتها على تطورات القضية الوطنية خلال العقود اللاحقة.
وتشهد مختلف مناطق المملكة، بهذه
المناسبة، تنظيم أنشطة واحتفالات رسمية وثقافية وتربوية تستحضر دلالات المسيرة
الخضراء وأبعادها التاريخية والوطنية، كما تعرف المؤسسات التعليمية تنظيم عروض
وندوات وأنشطة فنية وتاريخية تهدف إلى تعريف التلاميذ والطلبة بمختلف مراحل هذه
المحطة، فضلا عن تنظيم لقاءات وفعاليات تستحضر شهادات المشاركين والظروف التي
رافقت انطلاق المسيرة، وتساهم هذه المبادرات في نقل الذاكرة الوطنية إلى الأجيال
الصاعدة وتعزيز معرفتها بالأحداث التي شكلت جزءا أساسيا من تاريخ المغرب المعاصر.
وتحمل ذكرى المسيرة الخضراء أيضا
أبعادا رمزية تتجاوز استحضار حدث تاريخي بعينه، إذ أصبحت مناسبة لتجديد النقاش حول
الوحدة الترابية والتنمية بالأقاليم الجنوبية ودور المشاريع الاقتصادية
والاجتماعية في تحسين ظروف عيش السكان، كما ترتبط هذه الذكرى باستحضار التحولات
التي عرفتها المنطقة خلال العقود الماضية في مجالات البنية التحتية والتعليم
والصحة والاستثمار، إلى جانب الجهود الدبلوماسية التي تبذلها المملكة بشأن قضية
الصحراء، وهو ما يجعل المناسبة محطة لاستعراض مسارات التنمية والتحديات المرتبطة
بمستقبل الأقاليم الجنوبية.
ويحظى يوم السادس من نونبر بمكانة
خاصة ضمن الأعياد والمناسبات الوطنية المغربية، حيث يشكل عطلة رسمية تتيح
للمواطنين استحضار هذه الذكرى والمشاركة في الأنشطة المنظمة تخليدا لها، كما تحرص
وسائل الإعلام الوطنية على تخصيص برامج ومواد وثائقية تستعرض تفاصيل المسيرة وظروف
تنظيمها والنتائج السياسية التي أعقبتها، وتبرز هذه التغطيات أهمية الحفاظ على
الذاكرة التاريخية وتوثيق مختلف محطاتها، بما يسمح بتقديم صورة واضحة للأجيال المقبلة
عن السياق الذي جرت فيه المسيرة والأبعاد التي اكتسبتها في التاريخ المغربي.
وتظل المسيرة الخضراء واحدة من أبرز
المحطات التي طبعت الذاكرة الجماعية للمغاربة، بالنظر إلى حجم المشاركة الشعبية
والرمزية التاريخية التي ارتبطت بها منذ سنة 1975، ومع حلول السادس من نونبر من كل
سنة تتجدد مظاهر الاحتفاء بهذه الذكرى التي تستحضر فيها المملكة تاريخها الوطني
ومسارها الدبلوماسي والتطورات التي عرفتها قضية الصحراء، كما تشكل المناسبة فرصة
لتأكيد أهمية الوحدة والتضامن والمشاركة في بناء المستقبل، واستحضار مسؤولية
الأجيال المتعاقبة في الحفاظ على الذاكرة الوطنية ومواصلة مسيرة التنمية والتقدم.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك