أنتلجنسيا المغرب: فهد الباهي/م.إيطاليا
في الوقت الذي
يواجه فيه المغرب تحديات متزايدة بسبب ندرة المياه وتوالي سنوات الجفاف، تبرز تساؤلات
حول أولويات السياسة الفلاحية ومدى قدرتها على تحقيق التوازن بين استغلال الموارد المائية
وضمان الأمن الغذائي للمغاربة، خاصة أن القمح والحبوب يشكلان مكونات أساسية في الاستهلاك
اليومي للأسر المغربية، ما يجعل تأمين الإمدادات منها قضية استراتيجية تتجاوز الحسابات
الاقتصادية والظرفية.
ويثير التوسع في
زراعة بعض الفواكه والخضر، التي تحتاج إلى كميات مهمة من المياه، نقاشاً حول جدوى توجيه
جزء من الموارد المائية المحدودة نحو منتجات موجهة للتصدير، في مقابل استمرار اعتماد
البلاد على استيراد كميات كبيرة من الحبوب لتغطية حاجيات السوق الداخلية، وهو وضع يطرح
ضرورة مراجعة التوازن بين الزراعات التصديرية والمحاصيل الأساسية المرتبطة بالأمن الغذائي.
ويأتي الأفوكادو
في مقدمة المنتجات التي تثير الجدل بشأن استهلاك المياه، بالنظر إلى حاجيات زراعته
المائية، خصوصاً في المناطق التي تعاني ضغطاً على الفرشات المائية والموارد المتاحة،
الأمر الذي يفتح نقاشاً حول مدى ملاءمة التوسع في هذه الزراعات مع الوضع المائي للمملكة،
وحول ضرورة ربط قرارات الاستثمار الفلاحي بقدرة كل منطقة على تحمل الاستغلال المائي.
وفي المقابل، يظل
المغرب مرتبطاً بالأسواق الدولية لتأمين جزء مهم من حاجياته من القمح والحبوب، حيث
يعتمد على الاستيراد من عدة دول، من بينها فرنسا والولايات المتحدة وروسيا، وهو ما
يجعل الأمن الغذائي عرضة لتقلبات الأسعار الدولية والظروف المناخية والأزمات الجيوسياسية،
ويعزز الحاجة إلى تقوية الإنتاج الوطني وتطوير زراعات الحبوب وفق إمكانات كل منطقة.
وتفرض هذه المعطيات
إعادة التفكير في توزيع الدعم والاستثمارات الفلاحية، من خلال إعطاء أهمية أكبر للمحاصيل
الأساسية، وتشجيع الفلاحين على اعتماد تقنيات إنتاج مقتصدة للمياه، وتطوير البذور الملائمة
للمناخ الجاف، إلى جانب توسيع أنظمة الري الحديثة وتحسين طرق تخزين الحبوب، بما يسمح
بتقليص الخسائر وتعزيز قدرة الإنتاج المحلي على تلبية حاجيات السوق.
كما يطرح تصدير
الفواكه والخضر والمنتجات البحرية تساؤلات بشأن كيفية تحقيق التوازن بين مصالح الاقتصاد
الوطني ومتطلبات السوق الداخلية، خصوصاً عندما يؤدي توجيه جزء من الإنتاج إلى الخارج
إلى ارتفاع الأسعار أو تراجع العرض المحلي، وهو ما يستدعي سياسات تضمن وفرة المنتجات
الأساسية بأسعار مناسبة للمواطنين، مع الحفاظ على الصادرات التي توفر العملة الصعبة
وفرص الشغل ومداخيل مهمة للقطاع الفلاحي.
إن الرهان الحقيقي
لا يكمن في التخلي عن الزراعات التصديرية أو وقف المبادلات التجارية، بل في بناء سياسة
فلاحية ومائية تجعل الأمن الغذائي أولوية، وتربط نوعية المحاصيل المزروعة بحجم الموارد
المائية المتاحة وحاجيات السكان، بما يضمن حماية الثروة المائية، وتقوية إنتاج الحبوب،
وتحقيق عدالة أكبر في الاستفادة من خيرات البلاد، حتى لا يتحول التصدير إلى هدف منفصل
عن حق المغاربة في الغذاء بأسعار معقولة.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك