القانون الجديد يدخل حيز التنفيذ ويقلب محاكم المغرب وهذه تغييرات التقاضي والتنفيذ

القانون الجديد يدخل حيز التنفيذ ويقلب محاكم المغرب وهذه تغييرات التقاضي والتنفيذ
ديكريبتاج / الإثنين 24 غشت 2026 / لا توجد تعليقات:

أنتلجنسيا:أبو جاسر

دخلت العدالة المدنية في المغرب اليوم مرحلة جديدة مع بدء سريان القانون رقم 58.25 المتعلق بالمسطرة المدنية، واضعاً حداً لحقبة قانونية استمرت لأكثر من نصف قرن، ومحمّلاً المحاكم والمتقاضين حزمة واسعة من القواعد الجديدة التي تستهدف تسريع البت في القضايا، الحد من المماطلة، وتحديث إجراءات التبليغ والتنفيذ عبر الرقمنة.

ويأتي هذا التحول بعد سنوات من الانتقادات التي طالت تعقيد المساطر وطول آجال التقاضي وصعوبة تنفيذ الأحكام، إضافة إلى الإشكالات المرتبطة بالتبليغ وتعدد القواعد الإجرائية وضعف الاعتماد على الوسائل الرقمية في تدبير الملفات القضائية.

ومن أبرز المستجدات التي جاء بها القانون تعزيز حضور النيابة العامة داخل الخصومة المدنية، من خلال منحها إمكانية الطعن بالبطلان في الأحكام التي تمس بالنظام العام، حتى في الحالات التي لا تكون فيها طرفاً في الدعوى الأصلية، مع استثناءات تسمح لها بممارسة هذا الحق خارج الآجال المعتادة للطعن.

وفي مواجهة ما يعتبره المشرع استعمالاً منحرفاً لحق التقاضي، أتاح النص الجديد للمحاكم الحكم بالتعويض عن التقاضي التعسفي، إلى جانب فرض غرامات في بعض الحالات التي يتبين فيها أن الطعون أو إجراءات التعرض لم تكن سوى وسائل للمماطلة وتأخير تنفيذ الأحكام القضائية.

ويضع القانون الجديد أيضاً هدف تقليص ما وصفه واضعوه بـ"الهدر المسطري"، عبر تبسيط الإجراءات وتوحيد عدد من القواعد التي تحكم التقاضي المدني والإداري والتجاري، بما فيها المساطر المرتبطة بقضاء القرب، مع الحفاظ على مبدأ وحدة القضاء وتكريس التخصص.

وفي هذا الإطار، أصبحت المحاكم الابتدائية مختصة بالنظر في مختلف القضايا المدنية والاجتماعية وقضايا الأسرة، بينما تتولى الأقسام المتخصصة داخلها، خصوصاً الإدارية والتجارية، النزاعات الداخلة ضمن اختصاصها.

وعلى مستوى القضايا ذات البعد الدولي، حدد القانون الحالات التي يمكن فيها للقضاء المغربي النظر في النزاعات المرتبطة بعناصر أجنبية، مستنداً إلى قواعد القانون الدولي الخاص، في مسعى لتعزيز الأمن القانوني ورفع جاذبية المملكة أمام المستثمرين والمعاملات العابرة للحدود.

كما أعاد النص تنظيم عملية تسجيل الدعاوى، مع اعتماد سجل يضم بيانات الأطراف ومحاميهم عند الاقتضاء وموضوع النزاع وتاريخ الاستدعاء، فيما حدد بالنسبة إلى الطعن في قرار رفض المساعدة القضائية أجلاً قدره ثمانية أيام أمام محكمة الدرجة الثانية.

وفي تحول آخر، منح القانون الجديد للصلح مكانة أكثر وضوحاً داخل العملية القضائية، إذ أصبح بإمكان المحكمة اقتراح التسوية الودية تلقائياً في مختلف مراحل الدعوى، على أن يثبت الصلح في حكم غير قابل للطعن، بما يعكس توجهاً نحو تخفيف الضغط عن المحاكم وتشجيع إنهاء النزاعات خارج منطق الخصومة الطويلة.

لكن الرهان الأكبر يتمثل في الرقمنة، بعدما خصص القانون باباً مستقلاً للمساطر الإلكترونية، يسمح بإيداع المقالات والمذكرات والطعون عبر منصات رقمية موحدة وآمنة، إلى جانب اعتماد التوقيع الإلكتروني والتبادل غير المادي للوثائق، مع وضع شروط تقنية لحماية المعطيات الشخصية وضمان الحجية القانونية للإجراءات الرقمية.

ويوسع القانون كذلك نطاق التبليغ الإلكتروني، إذ يمنح المراسلات الموجهة إلى الحسابات المهنية للمحامين حجية قانونية، بينما يمكن اللجوء إلى البطاقة الوطنية للتعريف الإلكترونية كوسيلة احتياطية عند تعذر التبليغ في العنوان المصرح به. كما ألزم الأشخاص الخاضعين للقانون العام بالإدلاء بعناوينهم الإلكترونية، وفتح للأشخاص الذاتيين والمعنويين في القطاع الخاص إمكانية اختيار التبليغ الإلكتروني.

وفي مجال القضاء الاستعجالي، سمح القانون بالبت دون استدعاء الخصم في حالات الاستعجال القصوى، وحدد أجل استئناف الأوامر الاستعجالية في 15 يوماً، في وقت عزز فيه صلاحيات قاضي التنفيذ ومنحه أدوات رقمية للبحث عن أموال المدين وتتبع إجراءات التنفيذ، مع فتح الباب أمام إجراء عمليات البيع عبر منصة إلكترونية.

ويأتي دخول هذا النص حيز التنفيذ بعد إصدار المجلس الأعلى للسلطة القضائية ووزارة العدل والوكالة القضائية للمملكة عدداً من الدوريات والتوجيهات الرامية إلى توضيح كيفية تنزيل مقتضياته الجديدة، في محاولة لتفادي الارتباك الذي قد يرافق الانتقال من منظومة إجرائية عمرها أكثر من خمسين عاماً إلى قواعد جديدة تعيد رسم علاقة المتقاضي بالمحكمة ومسار الدعوى وتنفيذ الحكم.

وبذلك لا يتعلق الأمر بمجرد تعديل تقني لقواعد التقاضي، بل بانتقال واسع نحو نموذج قضائي يسعى إلى تقليص الزمن الإجرائي، محاصرة المناورات والمماطلة، وتوسيع حضور التكنولوجيا في المحاكم، مع جعل تنفيذ الأحكام وجودة الخدمة القضائية في قلب الاختبار الحقيقي لنجاح الإصلاح.

لا توجد تعليقات:

للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.

أضف تعليقك