تحول الفاعل السلفي الجهادي إلى الحقل الحقوقي (المغرب ونماذج من العالم العربي)

تحول الفاعل السلفي الجهادي إلى الحقل الحقوقي (المغرب ونماذج من العالم العربي)
ديكريبتاج / الخميس 06 غشت 2026 / لا توجد تعليقات:

أنتلجنسيا:عبد الفتاح الحيداوي

مقدمة: السياق التحولي والإشكالية

شكلت السلفية الجهادية تاريخيا تيارا يرفض الدولة الوطنية الحديثة، معتبرا إياها كيانا يستوجب المفاصلة. ومع ذلك، أفرزت تجربة العقدين الأخيرين ظاهرة السلفي الحقوقي أو الجهادي الحقوقي، وهو فاعل يستخدم لغة الاتفاقيات الدولية والمواثيق الأممية للمطالبة بحقوقه.

إن التحول من خطاب العقيدة إلى خطاب الحقوق ليس مجرد تغيير في المفردات، بل هو إعادة تموضع استراتيجي في حقل القوة، حيث يصبح القانون هو الساحة الجديدة للنزاع مع السلطة. [1: ص 15]

تكمن إشكالية الدراسة في فهم كيفية حدوث هذا الانتقال دون انتحار رمزي للفاعل أي كيف يضمن لنفسه البقاء داخل دائرة النضال والاحتجاج رغم تخليه عن عقيدة التغيير بالقوة؟ وما هي العوامل التي تدفع بهذا التحول، وهل هو تحول تكتيكي أم معرفي عميق؟ تسعى هذه الدراسة إلى الإجابة عن هذه التساؤلات من خلال تحليل للحالة المغربية، واستعراض نماذج عربية أخرى.

الحالة المغربية.. من العقيدة إلى الحقوق 

تعتبر التجربة المغربية من أبرز النماذج العربية التي تجسد التحول من الخطاب العقدي إلى الخطاب الحقوقي داخل أوساط السلفية الجهادية، ليس فقط بسبب حجم الاعتقالات التي أعقبت تفجيرات الدار البيضاء في 16 ماي/أيار 2003، وإنما أيضا بسبب طول أمد التجربة السجنية، وتفاعلها مع الفاعلين الحقوقيين والمؤسسات الرسمية، وما أفرزته من تحولات فكرية واجتماعية وتنظيمية امتدت لأكثر من عقدين. لذلك يمكن اعتبار المغرب بمثابة (مختبر اجتماعي وسياسي) لدراسة كيفية انتقال جماعة ذات مرجعية عقدية صارمة إلى توظيف المرجعية الحقوقية بوصفها إطارا جديدا للتعبير عن مطالبها وإدارة علاقتها بالدولة والمجتمع [2: ص 12].

شكلت أحداث الدار البيضاء نقطة انعطاف حاسمة في السياسة الأمنية المغربية تجاه التيار السلفي الجهادي، حيث اعتمدت الدولة مقاربة أمنية وقضائية واسعة شملت اعتقال آلاف الأشخاص، وإصدار أحكام متفاوتة، وإعادة هيكلة السياسة الجنائية المتعلقة بقضايا الإرهاب. وداخل هذا السياق، وجد المعتقلون أنفسهم أمام واقع جديد لم تعهده أدبياتهم السابقة إذ انتقلوا من فضاء الدعوة والعمل الأيديولوجي إلى فضاء السجن الخاضع لقواعد قانونية وإدارية دقيقة، تحكمه أنظمة الاعتقال وقوانين المؤسسات السجنية وإجراءات القضاء [2: ص 12].

ومع مرور الوقت، تحول السجن من مجرد مؤسسة للعقاب والعزل إلى فضاء لإعادة إنتاج الهويات الجماعية وإعادة تشكيل التصورات الفكرية. فقد فرضت الحياة اليومية داخل المؤسسات السجنية على المعتقلين التعامل مع قضايا لم تكن تحظى بموقع مركزي في خطابهم السابق، مثل الحق في العلاج، والحق في الزيارة، وظروف الإقامة، والتغذية، والتعليم، والتواصل مع الأسرة، والحق في التقاضي والطعن في الأحكام. وهكذا أصبح السجن، وفق تعبير بعض الباحثين، (مختبرا للهوية الجماعية)، حيث أعادت الجماعة تعريف ذاتها انطلاقا من تجربة مشتركة قوامها الحرمان والمعاناة اليومية أكثر من الانتماء الأيديولوجي وحده [3: ص 88].

لقد مثل هذا التحول بداية انتقال تدريجي من المطالب العقائدية الكبرى إلى المطالب الحقوقية الملموسة. ففي السنوات الأولى للاعتقال، ظل الخطاب السائد بين عدد من المعتقلين يدور حول قضايا تطبيق الشريعة، وشرعية النظام السياسي، ومشروعية الجهاد، وهي موضوعات تعكس المرجعية العقدية التي تأسس عليها التيار. غير أن الاحتكاك المستمر بالواقع السجني جعل الأولويات تتغير بصورة تدريجية فأصبحت المطالب تتركز حول تحسين ظروف الاعتقال، وضمان الحق في التطبيب، والسماح بالزيارة المقربة، واحترام الكرامة الإنسانية، والحد من العقوبات التأديبية، وتوفير محاكمات عادلة وضمانات قانونية أفضل [4: ص 22].

ولا يعني هذا التحول أن المرجعية العقدية قد اختفت بالكامل، بل إن الخطاب الحقوقي بدأ يتقدم تدريجيا بوصفه الأداة الأكثر فاعلية للتواصل مع المؤسسات الرسمية والرأي العام الوطني والمنظمات الدولية. فبدلا من الاستناد إلى الأدلة الشرعية وحدها، أخذت البيانات والرسائل الصادرة عن المعتقلين تستند إلى نصوص الدستور المغربي، والقوانين الوطنية، والاتفاقيات الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان، وهو ما يعكس انتقالا من شرعية دينية خالصة إلى شرعية قانونية وحقوقية أكثر قابلية للتداول داخل المجال العام.

وقد لعب الفاعلون الحقوقيون دورا مركزيا في هذا التحول. فمنذ منتصف العقد الأول من الألفية، انخرط عدد من المحامين والجمعيات الحقوقية والناشطين المدنيين في الدفاع عن المعتقلين الإسلاميين، سواء من خلال المؤازرة القانونية أو مراقبة أوضاع السجون أو توثيق الانتهاكات المحتملة. ولم يقتصر دور هؤلاء الفاعلين على الترافع أمام المحاكم، بل شمل أيضا نقل ثقافة حقوق الإنسان إلى المعتقلين، وتعليمهم كيفية إعداد الشكايات، وصياغة التظلمات، والاستناد إلى النصوص القانونية الوطنية والمواثيق الدولية في المطالبة بحقوقهم. وأسهم هذا الاحتكاك المستمر في إدخال مفردات جديدة إلى الخطاب السلفي، مثل العدالة الانتقالية، والإنصاف، والمحاكمة العادلة، ومناهضة التعذيب، والكرامة الإنسانية، والحق في الإنصاف وجبر الضرر، وهو ما يمكن وصفه بعملية (تسييس حقوقي) للخطاب السلفي، أي انتقاله من خطاب ذي طبيعة عقدية إلى خطاب يستثمر أدوات القانون وحقوق الإنسان في المجال العمومي [5: ص 34].

ووجد عدد من المعتقلين أن إظهار الانفتاح على لغة الحقوق والقانون يتيح إمكانات أكبر لإعادة الإدماج، والحصول على الإفراج أو الاستفادة من برامج المصالحة، مقارنة بالاستمرار في الخطاب العقائدي الصدامي. ومن ثم أصبح الخطاب الحقوقي لا يمثل مجرد خيار لغوي، بل استراتيجية عملية للتفاعل مع الدولة ومؤسساتها.

ومن العوامل الحاسمة أيضا في هذا التحول الدور الذي اضطلعت به عائلات المعتقلين، ولا سيما الزوجات والأمهات. فقد اضطرت النساء إلى الخروج من المجال الأسري الخاص إلى المجال العمومي للدفاع عن ذويهن، فنظمن الوقفات الاحتجاجية، وشاركن في المؤتمرات والندوات، وتواصلن مع الجمعيات الحقوقية الوطنية والدولية، وأعددن ملفات وشكايات، وأصبحن الواجهة المدنية للقضية. وقد أدى هذا الحضور النسائي المكثف إلى إعادة صياغة طبيعة الخطاب المتعلق بالمعتقلين، حيث انتقل من خطاب ديني يغلب عليه الطابع العقدي إلى خطاب إنساني يركز على معاناة الأسر، وآثار الاعتقال على الأطفال والنساء، والحقوق الأساسية للمعتقلين [6: ص 56

وقد انعكس هذا الدور الخارجي للعائلات بصورة مباشرة على المعتقلين داخل السجون، إذ وجدوا أنفسهم أمام ضرورة تبني لغة تتناغم مع الجهود التي تبذلها أسرهم وهيئات الدفاع عنهم. ومع مرور الوقت، أصبحت البيانات والرسائل الصادرة عن المعتقلين أكثر قربا من المفردات الحقوقية التي تستخدمها الجمعيات والمحامون، الأمر الذي أسهم في توحيد لغة الترافع بين الداخل والخارج، وأوجد نوعا من التكامل بين الفاعل السجني والفاعل المدني.

ولم يقتصر هذا التحول على مستوى اللغة فقط، بل امتد إلى أشكال الفعل الجماعي نفسها. فبعد أن كانت المرجعية التنظيمية تقوم على شبكات دعوية غير رسمية وروابط عقدية، بدأت تتشكل تدريجيا تنسيقيات وهيئات ذات طبيعة حقوقية تتبنى المطالب الاجتماعية والقانونية، وتعمل وفق آليات المجتمع المدني، مثل إصدار البلاغات، وتنظيم الندوات، وإعداد المذكرات الترافعية، والتواصل مع المؤسسات الوطنية والدولية. وهو ما يعكس انتقالا من منطق (الجماعة العقدية) إلى منطق (الجماعة الحقوقية)، حيث أصبحت الهوية الجماعية تبنى حول تجربة الاعتقال والمطالبة بالحقوق أكثر مما تبنى حول المشروع الأيديولوجي الأصلي.

ومن منظور علم الاجتماع السياسي، فإن هذه التجربة تكشف أن السجن لم يكن مجرد فضاء لإضعاف التنظيمات الراديكالية، بل كان أيضا فضاء لإعادة تشكيل أنماط الفعل الجماعي وإعادة تعريف مصادر الشرعية والهوية. فقد أفضى الاحتكاك الطويل بالقانون، والمؤسسات، والفاعلين الحقوقيين، والعائلات، إلى إعادة إنتاج الفاعل السلفي في صورة جديدة فاعل لا يتخلى بالضرورة عن مرجعياته الدينية، لكنه يعيد ترتيب أولوياته، ويمنح الخطاب الحقوقي مكانة متقدمة بوصفه الوسيلة الأكثر نجاعة للتأثير والترافع داخل المجال العام. ومن ثم فإن التجربة المغربية لا تمثل مجرد انتقال لغوي من مفردات العقيدة إلى مفردات الحقوق، بل تعكس تحولا بنيويا في أشكال الفعل الجماعي، وفي طبيعة العلاقة بين الدولة والإسلاميين، وفي الكيفية التي يعيد بها الفاعلون إنتاج هوياتهم تحت تأثير القيود المؤسسية والتفاعلات الاجتماعية الممتدة [2: ص 12؛ 3: ص 88؛ 5: ص 34.

التحول المفاهيمي لدى الفاعل المغربي 

يمثل التحول الذي عرفه جزء من المعتقلين السابقين المنتمين إلى التيار السلفي الجهادي في المغرب تحولا يتجاوز مجرد تغيير وسائل الاحتجاج أو آليات العمل، ليطال البنية المفاهيمية التي أصبحت تؤطر فهمهم للواقع السياسي والاجتماعي. فالمفاهيم ليست مجرد مصطلحات لغوية، وإنما هي أطر معرفية وإدراكية تحدد كيفية تفسير الأحداث، وصياغة المواقف، واختيار أدوات الفعل الجماعي. ومن هذا المنطلق، فإن الانتقال من المجال الجهادي إلى المجال الحقوقي لم يكن انتقالا في الوسائل فحسب، بل صاحبه تحول تدريجي في المنظومة المفاهيمية، حيث تراجعت مجموعة من المفاهيم المؤسسة للخطاب الجهادي التقليدي لصالح مفاهيم مستمدة من الحقل القانوني والحقوقي، الأمر الذي أعاد تشكيل العلاقة مع الدولة والمجتمع وآليات المطالبة بالحقوق.

ففي الخطاب الجهادي التقليدي، احتل مفهوم الحاكمية لله موقعا مركزيا باعتباره المرجعية التي تقاس بها شرعية الأنظمة السياسية، وانطلقت منه مواقف رافضة للمؤسسات الدستورية والقوانين الوضعية باعتبارها تشريعا بشريا ينازع التشريع الإلهي. غير أن التجربة السجنية وما تلاها من انخراط تدريجي في العمل الحقوقي أفرزت تحولا في طبيعة العلاقة مع الدولة إذ لم يعد النقاش يتمحور حول شرعية النظام السياسي، بل أصبح ينصب على مدى احترام الدولة للقانون والضمانات الدستورية والالتزامات الناشئة عن الاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان. وبذلك انتقلت المرجعية العملية من مفهوم الحاكمية بوصفه أداة للمفاصلة مع الدولة إلى مفهوم سيادة القانون باعتباره الإطار الذي تطرح داخله المطالب المتعلقة بالإنصاف، وضمان المحاكمة العادلة، وجبر الضرر، وحماية الحقوق الأساسية، وهو ما يعكس انتقالا من الشرعية الدينية المطلقة إلى التعاقد القانوني بوصفه أساسا لتنظيم العلاقة بين الدولة والمواطن [2: ص 45

وبالموازاة مع ذلك، شهد مفهوم الولاء والبراء تحولا ملحوظا في الخطاب والممارسة. فبعد أن كان يشكل إطارا عقديا ينظم العلاقة مع المجتمع والدولة ويؤسس لمنطق المفاصلة والتمييز بين الجماعة وغيرها، تراجع حضوره في الخطاب العملي لصالح مفاهيم المواطنة والتعايش والحقوق المتساوية. وأصبح الانتماء إلى الدولة الوطنية يمثل الإطار الذي تمارس داخله المطالب الحقوقية، كما اتسعت دائرة التعاون لتشمل فاعلين حقوقيين وسياسيين من توجهات فكرية وإيديولوجية مختلفة، وهو ما يعكس انتقالا من منطق الاصطفاف العقدي إلى منطق المشاركة المدنية والقبول بالتعددية السياسية والاجتماعية باعتبارها واقعا مؤسسيا وقانونيا لا يمكن تجاوزه [2: ص 45.

كما طال التحول مفهوم الجهاد ذاته، الذي كان يمثل في الأدبيات السلفية الجهادية الوسيلة الأساسية لتغيير الواقع من خلال المواجهة المباشرة مع السلطة. فقد أدت سنوات الاعتقال وما رافقها من مراجعة للخبرة العملية إلى تبني أدوات جديدة للفعل الجماعي تقوم على النضال السلمي والترافع القانوني والحقوقي. وأصبحت البيانات الحقوقية، وإعداد المذكرات القانونية، وإصدار التقارير، والتواصل مع المؤسسات الوطنية والدولية، واللجوء إلى القضاء، تمثل الوسائل الرئيسة للدفاع عن المطالب. وبهذا المعنى انتقل الفاعل من الاعتماد على الضغط المادي إلى توظيف أشكال من الضغط القانوني والإعلامي والحقوقي، الذي يسعى إلى تحقيق التأثير من داخل المؤسسات القانونية والسياسية القائمة بدلا من مواجهتها خارج إطارها [5: ص34

وتكشف هذه التحولات مجتمعة أن التغير الذي عرفه الفاعل المغربي لم يكن مجرد تبدل في وسائل العمل أو في أشكال الاحتجاج، وإنما مثل إعادة صياغة للإطار الإدراكي الذي يفسر من خلاله الواقع ويحدد أهدافه وآليات تحركه. 


نماذج عربية للتحول.. المرافعة الدولية كبديل للقتال

لا يقتصر التحول على المغرب، بل يمتد لنماذج عربية استطاعت تدويل مظلوميتها عبر الحقل الحقوقي، مما يؤكد أن هذا المسار أصبح استراتيجية بقاء وتأثير لدى الجهاديين السابقين.

1. النموذج الليبي: عبد الحكيم بلحاج والنضال القضائي

يمثل عبد الحكيم بلحاج، القائد السابق لـ "الجماعة الإسلامية الليبية المقاتلة"، حالة فريدة في توظيف القانون الدولي. بعد سقوط نظام القذافي، لم يكتفِ بلحاج بالعمل السياسي، بل خاض معركة قانونية في المحاكم البريطانية ضد جهاز (MI6) بتهمة التواطؤ في اختطافه وتسليمه للقذافي [3].

بدلا من العودة للسلاح ضد القوى الغربية التي ساهمت في اعتقاله، لجأ بلحاج إلى القضاء الدولي، محولا الجهاد ضد الكفر إلى نضال قانوني ضد انتهاكات السيادة والحقوق الشخصية [4].

وكان من نتيجة اللجوء الى القضاء انتزاع اعتذار رسمي من تيريزا ماي (رئيسة وزراء بريطانيا حينها) في عام 2018، بالإضافة إلى تعويضات مالية [5]. هذا النموذج يوضح كيف تحول الفاعل الجهادي إلى (مدع حقوقي) يستخدم القضاء الدولي لانتزاع اعتراف بمظلوميته، مما يضمن له شرعية سياسية دولية.

2. النموذج المصري: مراجعات الجهاد والعمل المدني

في مصر، كان التحول مبكرا عبر (مبادرة وقف العنف) التي أطلقتها (الجماعة الإسلامية) في التسعينيات، لكنه اتخذ شكلا حقوقيا عبر محامين وفاعلين خرجوا من رحم الحركة [6].

منتصر الزيات لعب دور (محامي الجماعات الإسلامية)، محولا قضاياهم من صراع على السلطة إلى قضايا حقوق إنسان ودفاع عن الحريات النقابية والقانونية [7].

فلسفة التحول.. كيف يبقى الفاعل مناضلا؟ 

يطرح التحول من الخطاب الجهادي/الدعوي السلفي إلى الخطاب الحقوقي إشكالية مركزية في سوسيولوجيا الحركات الإسلامية المعاصرة هل يمثل هذا الانتقال قطيعة إبستمولوجية مع المرجعية الأصلية للفاعل، أم أنه إعادة توظيف استراتيجي لنفس البنية الدلالية العميقة ضمن حقل رمزي جديد؟ الفرضية التي يقوم عليها هذا التحليل هي أن التحول لا يفهم كتخل عن جوهر النضال بل كعملية ترجمة  بالمعنى الذي يستخدمه بورديو وميشيل دو سارتو، تعاد فيها صياغة نفس المضامين القيمية ضمن قاموس مغاير يستجيب لموازين القوى الرمزية السائدة.

يكمن سر نجاح هذا التحول، إذن، في قدرة الفاعل على إقناع نفسه وجمهوره في ان معا بأن الحق (بمفهومه الحقوقي الوضعي) ليس نقيضا لـ(الحق) بمعناه الشرعي، بل هو وجه آخر لـ(العدل الإلهي) ذاته. هذه المعادلة الدلالية تسمح بإعادة تعريف النضال دون الحاجة إلى التنكر لأصوله الأولى، بل عبر توسيع دائرة تأويله لتستوعب مفردات جديدة كـ(الكرامة) و(العدالة) و(الحرية) دون فقدان الشحنة الأخلاقية-الدينية التي كانت تؤطر الفعل الأول [8].

يظل الفاعل، رغم تغير موقعه الخطابي، محتفظا بشعور جوهري لا يتزحزح: شعوره بأنه مستهدف من قبل السلطة. هذا الإحساس بالاستهداف يشكل نواة صلبة  في بنيته الذاتية، بمعنى أنه لا يخضع للتفاوض أو المراجعة، بينما يخضع توصيف هذا الاستهداف لعملية إعادة صياغة مستمرة تبعا للسياق.

فبعد أن كان الاستهداف يقرأ ضمن مرجعية الحرب على الإسلام -وهي مرجعية تعبوية ذات بعد عقدي وجماعي، تضع الفاعل في مواجهة حضارية شاملة- يعاد تعريفه في المرحلة الجديدة بوصفه (انتهاكا لحقوق الإنسان)، وهي مرجعية فردانية-قانونية تخرج الصراع من حقل الغزو الثقافي إلى حقل دولة القانون. غير أن الوظيفة النفسية والاجتماعية لهذا التوصيف تبقى واحدة الحفاظ على مسافة رمزية بين الفاعل والسلطة، وإبقاء الفاعل في موقع (المظلوم) الذي يمنحه الشرعية الأخلاقية اللازمة لمواصلة الفعل الاحتجاجي.

بهذا المعنى، فإن الانتقال من مفردة (الجهاد) إلى مفردة (الاحتجاج)، ومن (المقاومة) الدينية إلى (المقاومة) المدنية، ليس تحولا في الجوهر بقدر ما هو تحول في الأداة والوسيلة، مما يضمن استمرارية روح المقاومة تحت غطاء مدني يتيح للفاعل التموقع داخل الشرعية القانونية بدل الخروج عنها [8].

فالفاعل السلفي، بحكم قراءته الواقعية للمشهد، يدرك أن العالم الحديث -بمؤسساته الإعلامية والدبلوماسية والحقوقية- لم يعد يستوعب أو يتفاعل مع مفردات من قبيل الخلافة أو الجهاد المسلح، بل بالعكس، فإن توظيف هذه المفردات يضعه فورا في خانة التطرف ويسقط عنه أي إمكانية للتأثير أو الحضور في الفضاء العمومي.

في المقابل، يلاحظ الفاعل أن لغة (الحريات) و(حقوق الإنسان) تحظى بشرعية عالمية متعاظمة، وتتيح قنوات تواصل مع الفاعلين الدوليين (المنظمات غير الحكومية، الهيئات الأممية، وسائل الإعلام الغربية) كانت مغلقة تماما أمام الخطاب الجهادي التقليدي. من هنا تنبثق فكرة مركزية أن النشاط الحقوقي يتحول إلى ما يمكن تسميته بـ(الجهاد الممكن)، أي الشكل الأمثل والأكثر جدوى للفعل النضالي في ظل موازين القوى الراهنة التي لا تسمح بالمواجهة المباشرة [5: ص 34].

هذا التحول يحمل دلالة استراتيجية فهو يتيح للفاعل الانتقال من العمل السري ذي التكلفة الأمنية والوجودية الباهظة (الاعتقال، الملاحقة، وربما الموت)، إلى العمل العلني الذي، وإن كان محفوفا بالمخاطر أيضا، يمنحه إطارا قانونيا للحماية النسبية ويحفظ استمراريته كفاعل مؤثر في الحقل العام. وبذلك، لا تكون البراغماتية هنا مرادفة للانتهازية أو التخلي عن المبدأ، بل هي -في التصور الذي يتبناه الفاعل نفسه- شكل من أشكال (فقه الموازنات) أو (فقه الأولويات) الذي يقدم استمرارية الفعل على جذريته الشكلية [5: ص 34].

يفضي التحولان السابقان (الدلالي والاستراتيجي) إلى نتيجة أعمق تتعلق بإعادة بناء الهوية الذاتية والاجتماعية للفاعل. فالفاعل الحقوقي ذو الخلفية السلفية لا يرى في تحوله فقدانا لموقعه كـ(حارس للقيم)، بل يعيد إنتاج هذا الدور بصيغة مدنية جديدة فهو، يتحول إلى المدافع عن المعتقلين وعائلاتهم، أي إلى فاعل تضامني يشتغل في حقل يحظى بإجماع أخلاقي أوسع.

هذا التحول في موقع الفاعل يحمل بعدا وظيفيا مزدوجا فمن جهة، يتيح له الحفاظ على مركزيته كقطب استقطاب اجتماعي، إذ يظل مرجعا يلجأ إليه في القضايا المتعلقة بالحرية والاعتقال، مما يجدد رأسماله الرمزي داخل قاعدته الاجتماعية الأصلية. ومن جهة أخرى، يمنحه هذا الانخراط الحقوقي شرعية جديدة ومختلفة، تتيح له اختراق أوساط اجتماعية وسياسية كانت ترفضه سابقا بحكم مرجعيته الأيديولوجية (كالنخب الحقوقية العلمانية أو الليبرالية)، والتي تجد فيه الآن حليفا موضوعيا في قضايا الحريات العامة رغم اختلاف المرجعيات [6: ص 56].

وهكذا تتحول الهوية من هوية (دعوية-عقدية) منغلقة إلى هوية (حقوقية-تضامنية) منفتحة، دون أن تفقد الأولى حضورها الكامل، بل تظل كامنة كمرجعية تأويلية تمنح الفعل الحقوقي معناه العميق عند الفاعل نفسه، حتى وإن اختفت من الخطاب الظاهر.

التحول ليس قطيعة بل هو عملية تدوير  للرأسمال الرمزي والأخلاقي للفاعل ضمن حقل جديد أكثر ملاءمة لموازين القوى الراهنة. إن الفاعل يبقى مناضلا بالمعنى الوجودي والذاتي العميق، لكنه مناضل يتقن فن العمل  بين مرجعيتين مرجعية دينية-عقدية تبقى المحرك الداخلي الصامت، ومرجعية حقوقية-مدنية تشكل الواجهة الخطابية الظاهرة القادرة على التفاعل مع سياق سياسي وإعلامي عالمي مغاير تماما عن السياق الذي تشكل فيه الخطاب الأصلي [8] [5: ص 34] [6: ص 56].


الخاتمة: 

تخلص الدراسة إلى أن تحول الفاعل الجهادي إلى حقوقي ليس مجرد تكتيك ظرفي، بل هو تطور سوسيولوجي يعكس نضج التجربة السجنية والسياسية، وقدرة هذه التيارات على التكيف مع المتغيرات. هذا الفاعل الجديد يضمن لنفسه البقاء تحت دائرة النضال عبر:

تبني "نضال المؤسسات" بدلا من "نضال الساحات"، مما يفتح له قنوات للتأثير والمرافعة في إطار القانون [1: ص 15].

تحويل المحنة إلى ملف حقوقي دولي، يستفيد من آليات العدالة الانتقالية والمواثيق الدولية [8].

إعادة صياغة العلاقة مع الدولة كـ (مواطن مطالب بالحقوق) وليس كـ (خارج عن الملة)، مما يساهم في إدماجه في الحقل السياسي والمدني [2: ص 45].

إن نجاح هذا التحول يظل رهينا بمدى قدرة الدولة على استيعاب هؤلاء الفاعلين داخل الحقل المدني،. كما يتطلب الأمر من الفاعلين أنفسهم مواصلة التأصيل المعرفي لمفاهيم الحقوق والحريات من داخل مرجعيتهم، لتجاوز البراغماتية التكتيكية نحو قناعة راسخة بقيم المواطنة والعدالة.

المراجع العربية المعتمدة:

1.محمد مصباح، السلفية الجهادية في المغرب: مسارات التحول من الراديكالية إلى البراغماتية، مركز المسبار للدراسات والبحوث، 2014، ص 15.

2.عبد الحكيم أبو اللوز، الحركات السلفية في المغرب: دراسة سوسيولوجية، مركز دراسات الوحدة العربية، 2009، ص 12.

3.عبد الحكيم بلحاج، دعوى قضائية ضد الحكومة البريطانية، المحاكم البريطانية، 2014.

4.صحيفة الشرق الأوسط، رحلة عبد الحكيم بلحاج من التطرف إلى بريق المال والسياسة، 29 سبتمبر 2017.

5.هيئة الإذاعة البريطانية (BBC)، بريطانيا تعتذر للمعارض الليبي عبد الحكيم بلحاج عن دورها في اعتقاله، 10 مايو 2018.

6.الجماعة الإسلامية المصرية، مبادرة وقف العنف: دراسات تصحيحية، التسعينيات.

7.منتصر الزيات، القيادات الإسلامية في مصر: شهادات ومراجعات، القاهرة.

8.دراسات مركز المسبار، التحولات الفكرية للحركات الإسلامية، (دراسات متعددة).

لا توجد تعليقات:

للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.

أضف تعليقك