أنتلجنسيا المغرب:ياسر اروين
من يتابع تفاصيل ما يجري داخل المشهد السياسي المغربي يدرك أن الفاعلين الحزبيين أصبحوا مجرّد ديكور يُستعمل لإضفاء الشرعية على قرارات تُطبخ خارج مقرات الأحزاب والبرلمان.
فالمبادرة السياسية انتُزعت بالكامل من يد المؤسسات المنتخبة، وحُوّلت إلى فضاء مغلق تتحكم فيه دوائر محيطة بالقصر، تُدير الملفات الكبرى، وتقرر شكل الحكومة، وتحدّد سقف المعارضة، وتتحكم حتى في إيقاع النقاش العمومي.
هذه السيطرة الممنهجة لم تعد تُمارس في الخفاء كما في السابق؛ إنها اليوم واقع معلن تُعبّر عنه اختيارات الحكومة، هندسة الأغلبية، الصمت البرلماني، وغياب أي دور فعلي للمعارضة التي تحوّلت بدورها إلى ممثل ثانوي في مسرحية طويلة.
تحوّل خطير:البوليس السياسي يعود بوجه صريح
في السنوات الأخيرة، شهد المغرب عودة قوية لما يُعرف شعبياً بـ”البوليس السياسي”، لكن بطرق أكثر تنظيماً وأقل خجلاً.
وحدات خاصة تتبع أجهزة أمنية حسّاسة باتت صاحبة الكلمة الفصل في تدبير ملفات النشطاء والصحافيين، وتستخدم ترسانة من القوانين الفضفاضة لإسكات كل من يخرج عن السطر.
ملفات تُفتح دون تفسيرات، متابعات مبنية على “تأويلات”، مداهمات ليلية، منع سفر، تضييق على العمل، وشيطنة إعلامية موازية…كل ذلك يرسم صورة جهاز أمني تحرّر من القيود المؤسساتية، وأصبح لاعباً سياسياً مباشراً، لا يخضع للمحاسبة ولا للنقاش العمومي.
القمع في الشارع والرقابة في الفضاء الرقمي
القمع لم يعد حكراً على المظاهرات، اليوم يُمارَس في الفضاءات الرقمية، عبر تتبع الحسابات، مراقبة التدوينات، استدعاءات مفاجئة، وتهديدات مبطّنة تستهدف المؤثرين والصحافيين المستقلين.
فقد تحوّل الإنترنت نفسه إلى ساحة مراقَبة، تُسجَّل فيها الأنفاس، وتُرصَد فيها الإعجابات قبل المنشورات.
إلى جانب ذلك، يتم تفريغ الشارع من أي إمكانية للاحتجاج، عبر منع المسيرات واعتقال المنظمين وتطويق النقابات، مما جعل الفضاء العمومي شبه مُحاصَر تحت ذريعة “النظام العام”.
الصحافة المستقلة..آخر القلاع المحاصَرة
الصحافة المستقلة كانت دائماً شوكة في حلق السلطة. اليوم، تُستهدَف عبر أدوات متعددة: المتابعات القضائية، الاتهامات الأخلاقية الجاهزة، تدمير السمعة عبر الإعلام الرسمي والتابع، منع الإعلانات، وحصار مالي يمتد لسنوات.
رسالتها كانت واضحة:كل صحافي خارج الخط الرسمي هو تهديد يجب تصفيته مهنياً، وإن اقتضى الأمر… شخصياً.
بذلك، اختفت تدريجياً الأصوات الجريئة من الجرائد والمنصات، وبقيت محاولات قليلة تحارب وسط آلة قمعية لا تعرف التراجع.
معارضون في مرمى النيران والنشطاء بين الاتهامات الجاهزة
الناشطون الذين ينتقدون السلطة يجدون أنفسهم اليوم في مواجهة سيناريوهات متكررة:متابعة بتهم أخلاقية، تشويه إعلامي، أو سجن بتهم “التحريض والإساءة”. وهي تهم يُنظر إليها كـ"قالب جاهز" يُستخدم لإسكات المعارضين دون الاضطرار لفتح نقاش سياسي حقيقي حول أسباب احتجاجهم.
أسماء كثيرة مرّت عبر هذا المسار، من صحافيين إلى مدونين ومن حقوقيين إلى شباب من الهامش، والنتيجة واحدة:الخوف أصبح أداة حكم، والصمت صار شرطاً للعيش بهدوء.
دولة تُحكم بالأمن لا بالشرعية
ما يجري اليوم في المغرب ليس مجرد تشدد عابر، بل إعادة ترتيب جذرية لمن يتحكم في السلطة الفعلية.
القصر عزّز موقعه كفاعل فوق مؤسساتي، والبوليس السياسي أصبح الذراع التي تُنظّف الطريق، بينما تُترَك الحكومة والبرلمان كواجهة تبرّر القرارات بعد صدورها.
في ظل هذا المشهد، يظل السؤال معلقاً:
إلى أي مدى يمكن لنظام يراهن على الخوف بدل الثقة، وعلى الأمن بدل السياسة، أن يستمر دون انفجار؟
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك