حكومة أخنوش أمام ساعة الحساب ووعود انتخابية تصطدم بواقع البطالة والأسعار

حكومة أخنوش أمام ساعة الحساب ووعود انتخابية تصطدم بواقع البطالة والأسعار
تقارير / الإثنين 24 غشت 2026 / لا توجد تعليقات:

أنتلجنسيا:أبو جاسر

مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية المقررة في 23 شتنبر 2026، تدخل حكومة عزيز أخنوش مرحلتها الأخيرة وهي مطالبة بتقديم جواب سياسي واضح عن سؤال بسيط لكنه ثقيل:ماذا بقي من الوعود التي حملتها إلى السلطة سنة 2021، وماذا تغيّر فعلاً في حياة المغاربة؟

فبعد خمس سنوات من التدبير، تبدو الحصيلة محكومة بصراع واضح بين خطاب حكومي يحتفي بالأرقام والمشاريع، وانتظارات مواطنين يقيسون الأداء بمعايير أكثر مباشرة: فرصة عمل، مدرسة جيدة، مستشفى يحترم كرامتهم، دخل قادر على مواجهة الغلاء، وإدارة لا تجعل المواطن يركض خلف حقوقه.

وكان البرنامج الحكومي قد وضع أهدافاً كبيرة منذ البداية، أبرزها إحداث مليون منصب شغل صافٍ خلال الولاية، وتحقيق نمو اقتصادي في حدود 4 في المائة، ورفع معدل نشاط النساء إلى أكثر من 30 في المائة، وتقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية.

لكن اختبار الزمن جعل التشغيل تحديداً يتحول إلى واحدة من أكثر نقاط الضعف إحراجاً للحكومة، خصوصاً بعدما ظلت البطالة مرتفعة رغم الاستثمارات العمومية والبرامج التي أعلنتها الحكومة.

التشغيل..الوعد الأكبر والاختبار الأصعب

كان شعار «مليون منصب شغل» من أبرز الوعود التي صنعت جاذبية البرنامج الحكومي، لكن الأرقام المتراكمة خلال الولاية تكشف عن فجوة واسعة بين الطموح والنتيجة. فبحسب معطيات نُشرت حول حصيلة الولاية، لم يتحقق من هذا الهدف سوى جزء محدود، بينما ارتفع عدد العاطلين خلال السنوات الأولى من الولاية قبل أن تعرف البطالة تراجعاً في 2026.

والأكثر إحراجاً أن سوق الشغل المغربي لم يعد يعاني فقط من البطالة التقليدية، بل من أزمة أكثر تعقيداً تضرب الشباب والنساء وحاملي الشهادات، في وقت لا تزال الفلاحة، بسبب توالي سنوات الجفاف، تفقد أعداداً كبيرة من مناصب الشغل. وفي المقابل، انتقلت الحكومة في 2026 إلى تبني خارطة طريق جديدة تستهدف خلق مليون و450 ألف منصب إلى غاية 2030 وخفض البطالة إلى حوالي 9 في المائة، وهو ما يفتح بدوره سؤالاً سياسياً حول مصير الوعد الأول الذي كان محدداً أصلاً داخل الولاية المنتهية.

صحيح أن معدل البطالة تراجع إلى 9.5 في المائة خلال الفصل الثاني من 2026، لكن هذا التحسن المتأخر لا يلغي أن البطالة كانت قد بلغت مستويات مقلقة خلال السنوات السابقة، كما أن المعدلات ظلت أعلى بكثير لدى النساء والشباب.

حكومة الأرقام..حين تصطدم المؤشرات بحياة المواطن

المشكلة السياسية الأساسية في حصيلة الحكومة ليست غياب الأرقام، بل ربما وفرتها. فقد قدمت الحكومة أمام البرلمان حصيلة مليئة بالمؤشرات المتعلقة بالاستثمار والنمو والدعم الاجتماعي والصحة والتعليم، بينما ظل التحدي الأكبر هو تحويل هذه الأرقام إلى أثر محسوس في الحياة اليومية.

الحكومة، من جهتها، تقول إن الدولة الاجتماعية أصبحت واقعاً من خلال الدعم الاجتماعي المباشر وتوسيع التغطية الصحية ودعم السكن. وتؤكد أن برنامج الدعم المباشر وصل إلى حوالي 4 ملايين أسرة، وأن عشرات المليارات من الدراهم جرى ضخها في هذا الورش.

لكن المعارضة والمنتقدين يطرحون سؤالاً مختلفاً: هل يكفي ارتفاع حجم الإنفاق العمومي لإثبات نجاح السياسة الحكومية إذا ظل المواطن يواجه كلفة معيشة مرتفعة، وسوق شغل صعباً، وخدمات عمومية لا تزال تعاني اختلالات عميقة؟

وهنا تظهر المفارقة التي قد تصبح عنواناً مركزياً في الانتخابات المقبلة: الحكومة تقيس الإنجاز بما أنفقته وما أطلقته من برامج، بينما المواطن يقيسه بما تغير في حياته فعلياً.

التعليم..إصلاحات كثيرة وأزمة ثقة مستمرة

في التعليم، دشنت الحكومة أوراشاً واسعة، من بينها «مدارس الريادة» وتوسيع التعليم الأولي وإعادة هيكلة عدد من البرامج، كما رفعت ميزانية القطاع بشكل كبير. وتقول الحكومة إن هذه الإصلاحات بدأت تحقق نتائج في التعلمات وتقليص الهدر المدرسي داخل المؤسسات المعنية.

لكن الانتقال من إطلاق المشاريع إلى إصلاح المدرسة العمومية بشكل جذري يحتاج سنوات، فيما ظلت احتجاجات رجال ونساء التعليم خلال الولاية من أبرز الأزمات الاجتماعية التي هزت الحكومة، وأظهرت صعوبة بناء توافق حول إصلاح المدرسة ووضعية العاملين فيها.

كما أن أحد التحديات الكبرى للحكومة كان يتمثل في وعد الارتقاء بموقع التعليم المغربي وتحسين الجودة والإنصاف، وهو ملف لا يمكن حسمه فقط بعدد المدارس المحدثة أو حجم الميزانية، وإنما بنتائج التلاميذ، وجودة التعلمات، وتكافؤ الفرص بين المدرسة العمومية والخصوصية وبين المركز والمناطق الهشة.

الصحة..ورش ضخم لكن المواطن يريد مستشفى يعمل

قطاع الصحة بدوره عرف ضخ استثمارات وإطلاق إصلاحات هيكلية، ورفعت الحكومة ميزانية القطاع من حوالي 19.7 مليار درهم سنة 2021 إلى 42.4 مليار درهم في 2026، كما شرعت في تأهيل مراكز صحية وإطلاق مشاريع استشفائية جديدة.

غير أن الرهان الحقيقي لا يكمن في حجم الميزانية وحده، بل في قدرة المواطن على الحصول على موعد وفحص وعلاج ودواء في ظروف تحفظ كرامته. وهنا تظل المنظومة الصحية أمام امتحان صعب، لأن إعادة بناء المؤسسات والبنيات تحتاج إلى موارد بشرية كافية، وتوزيع عادل للأطباء والممرضين، وتقليص الفوارق بين المدن والمناطق القروية.

بمعنى آخر، المستشفى الذي يظهر في رقم حكومي لا يعادل بالضرورة المستشفى الذي يراه المواطن عندما يضطر إلى الانتظار أو شراء العلاج من ماله الخاص.

الغلاء والمحروقات..الجرح الذي لم يندمل

ومن أكثر الملفات التي طبعت الولاية الحكومية ملف الأسعار، خصوصاً المحروقات. فقد وجد المواطن نفسه خلال السنوات الماضية أمام موجات غلاء ضربت الوقود ومواد غذائية أساسية، فيما ظل النقاش حول هوامش شركات المحروقات وتضارب المصالح حاضراً بقوة في المجال السياسي والإعلامي.

ويُستحضر في هذا السياق ملف الـ17 مليار درهم الذي تحول إلى عنوان سياسي كبير، مع استمرار الخلاف حول طريقة احتساب الأرباح وهوامش الشركات؛ بل إن مجلس المنافسة عاد في 2026 ليؤكد أهمية الاعتماد على المعطيات الضريبية الموثوقة في تقييم أرباح القطاع، في مواجهة روايات سياسية وإعلامية مختلفة حول الرقم.

وهنا تحديداً ظهرت أكثر صورة أثارت انتقادات خصوم الحكومة: رئيس حكومة هو أيضاً رجل أعمال معروف بنشاطه في قطاع المحروقات، في وقت كان فيه المغاربة يعيشون على وقع ارتفاع أسعار الوقود. حتى عندما لا تثبت مخالفة قانونية، فإن مجرد وجود هذا التداخل بين السلطة السياسية والمصالح الاقتصادية كان كافياً لجعل تضارب المصالح أحد أكثر الملفات حساسية في عهد أخنوش.

تضارب المصالح..الأزمة التي تجاوزت الأشخاص

لم يعد النقاش حول تضارب المصالح مجرد هجوم سياسي على رئيس الحكومة، بل تحول إلى سؤال يتعلق بقواعد الحكامة وشفافية القرار العمومي. وانتقد تقرير حديث لمرصد العمل الحكومي ما وصفه باستمرار مظاهر الريع وضعف الأثر الملموس لمحاربة الفساد وتضارب المصالح، معتبراً أن ذلك يضرب عدالة السوق ونجاعة السياسات العمومية وثقة المواطن في تكافؤ الفرص.

وهذا الملف سيكون من أصعب الملفات التي ستواجه الأغلبية وهي تدخل المعركة الانتخابية، لأن المواطن لا يريد فقط أن يعرف كم استثمرت الدولة، بل من استفاد من الاستثمار، وكيف تم اختيار المستفيدين، وهل القواعد نفسها تنطبق على الجميع؟

الماء والفلاحة..الجفاف كشف حدود التدبير

الحكومة واجهت ظرفاً مناخياً قاسياً، ولا يمكن تحميلها وحدها نتائج سنوات الجفاف التي ضربت البلاد، لكن ذلك لا يعفيها من تقييم طريقة تدبير أزمة الماء والفلاحة. فقد أدت سنوات الجفاف إلى خسارة كبيرة في مناصب الشغل الزراعية، وأصبح الأمن المائي والغذائي من أكبر التحديات الوطنية.

وفي المقابل، تراهن الحكومة على مشاريع تحلية مياه البحر والربط بين الأحواض، وتقول إن قدرات التحلية ارتفعت بشكل كبير خلال الولاية. لكن السؤال السياسي سيبقى حول مدى قدرة هذه المشاريع على حماية المواطنين والفلاحين من أزمة الماء، خصوصاً في المناطق التي أصبحت فيها ندرة المياه واقعاً يومياً.

الدولة الاجتماعية..أكبر ورقة رابحة للحكومة؟

إذا كانت هناك ورقة تستطيع الحكومة الدفاع عنها بقوة، فهي ورش الدولة الاجتماعية. فقد أطلقت الدعم الاجتماعي المباشر ووسعت التغطية الصحية وبرامج السكن، وتؤكد أن ملايين الأسر أصبحت تستفيد من تحويلات ودعم لم يكن موجوداً بالشكل الحالي قبل الولاية.

لكن حتى هذا النجاح لا يخلو من نقاش سياسي: هل الدعم الاجتماعي يعالج جذور الفقر أم يدير آثاره؟ وهل يمكن بناء دولة اجتماعية قوية من دون مدرسة عمومية قوية، وصحة عمومية فعالة، وتشغيل مستقر وأجور تحمي الطبقة المتوسطة؟

فالدعم يمكن أن يخفف الألم، لكنه لا يستطيع وحده أن يصنع تنمية اجتماعية مستدامة.

في النهاية.هل نجحت الحكومة في تغيير حياة المغاربة؟

مع اقتراب 23 شتنبر 2026، لن يكون السؤال الانتخابي الحقيقي هو عدد القوانين التي صادقت عليها الحكومة ولا حجم الأموال التي رصدتها للمشاريع، وإنما ما إذا كان المواطن المغربي يشعر بأن خمس سنوات من الحكم جعلت حياته أفضل.

الحكومة ستدخل الانتخابات وهي تحمل قائمة طويلة من الأرقام: دعم اجتماعي، تغطية صحية، استثمارات، مشاريع بنية تحتية، مدارس جديدة، مستشفيات، تحلية مياه وإصلاحات تشريعية.

لكن خصومها سيدفعون في الاتجاه المعاكس: البطالة، غلاء المعيشة، أزمة المدرسة والمستشفى، الجفاف، تضارب المصالح، وتراجع الثقة السياسية.

وبين الروايتين، ستأتي صناديق الاقتراع لتقدم التقييم الأكثر قسوة: ليس تقييم الحكومة لنفسها، ولا تقييم المعارضة لها، وإنما تقييم المواطن الذي سيقرر في سبتمبر ما إذا كانت حكومة أخنوش قد حولت وعود 2021 إلى واقع ملموس، أم أنها بقيت، في نظر جزء من المغاربة، حكومة أرقام كبيرة وحصيلة لا تكبر بالقدر نفسه داخل الحياة اليومية.

والأدق أن القول بفشل الحكومة في كل القطاعات سيكون تبسيطاً غير مهني، لأن هناك أوراشاً اجتماعية واستثمارية ومؤسساتية حققت تقدماً فعلياً بحسب معطيات رسمية ومستقلة. لكن الثابت أن أكبر فجوة بقيت قائمة بين الوعود الانتخابية الكبرى وبين التشغيل وجودة الخدمات والقدرة الشرائية والثقة في الحكامة؛ وهي الفجوة التي ستجعل انتخابات 2026 امتحاناً سياسياً حقيقياً لحصيلة الولاية بأكملها.


لا توجد تعليقات:

للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.

أضف تعليقك