أنتلجنسيا المغرب: فهد الباهي/م.إيطاليا
في سبتة، وحين تخفت أضواء المدينة ويعود سكانها إلى منازلهم،
تبدأ حكاية أخرى خلف أبواب مستودعات تاراخال، حيث يقبع قاصرون حملوا إلى الضفة
الأخرى أحلاماً أكبر من أعمارهم، فوجدوا أنفسهم في مواجهة الخوف والبرد والانتظار،
أطفال غادروا بيوتهم وهم يرسمون في مخيلتهم صورة لمستقبل أفضل، فإذا بهم يدخلون
واقعاً غامضاً لا يعرفون كيف سينتهي، بينما تبقى عائلاتهم في الضفة الأخرى معلقة
بين الأمل والخوف.
أنتلجنسيا المغرب تتبع أخبار هؤلاء القاصرين عن طريق مصادرها
أولاً بأول، في قضية تحولت إلى قضية رأي عام بعدما كشفت عن قصص إنسانية ثقيلة خلف
مشاهد العبور، فهناك من وصل إلى الضفة الأخرى دون أن يعرف ماذا ينتظره، وهناك من
وجد نفسه بعيداً عن أسرته وفي مواجهة ظروف لم يكن مستعداً لها، فيما بقيت عائلات
كثيرة تبحث عن إجابات واضحة حول أبنائها، وتنتظر خبراً يعيد إليها شيئاً من
الطمأنينة.
قصص العبور التي نتابع تفاصيلها لا تنتهي عند البحر أو عند
الوصول إلى سبتة، بل تبدأ بعدها فصول أخرى أكثر قسوة، فالحلم الذي دفع هؤلاء
القاصرين إلى المخاطرة بحياتهم تحول بالنسبة إلى بعضهم إلى انتظار طويل ومجهول،
بينما تحولت فرحة الوصول لدى آخرين إلى أسئلة عن المستقبل ومصيرهم ومتى يمكن أن
يعودوا إلى أسرهم، وفي المقابل تعيش الأمهات والآباء في المغرب حالة انتظار لا
يعرفون متى تنتهي، بعدما أصبح الهاتف بالنسبة إليهم نافذة وحيدة على أخبار أبنائهم.
وخلف أبواب تاراخال تختبئ
حكايات لا تختصرها الأرقام ولا عناوين الأخبار، قاصرون في عمر يفترض أن يعيشوا بين
أسرهم ومدارسهم وأصدقائهم، وجدوا أنفسهم في مواجهة واقع قاس وأسئلة أكبر من
أعمارهم، وفي الجهة الأخرى أمهات وآباء يستيقظون كل صباح على أمل أن يحمل لهم
اليوم خبراً عن أبنائهم، وهكذا لا ينتظر هؤلاء القاصرون صباحاً جديداً فحسب، بل
ينتظرون جواباً عن مصير معلق، بينما تنتظر عائلاتهم خبراً واحداً قادراً على إنهاء
هذا العذاب الطويل.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك