أنتلجنسيا:عبد الفتاح الحيداوي
ملخص
تبحث هذه الدراسة في أسباب تأخر تشكل مدونة أدبية وشهاداتية واسعة تنبثق عن تجربة المعتقلين الإسلاميين في المغرب، مقارنة بما راكمه المعتقلون اليساريون والعسكريون من مذكرات وشهادات وروايات خلال العقود الأخيرة. وتنطلق الدراسة من فرضية مفادها أن هذا التأخر لا يدل على غياب التجربة أو ضعفها أو خفوت الرغبة في التذكر، بل يكشف عن اختلال بنيوي في شروط إنتاج الذاكرة وتداولها والاعتراف بها اجتماعيا ومؤسساتيا. فقد تضافرت في هذا الاختلال عوامل سياسية وحقوقية وثقافية وتنظيمية ونفسية وأرشيفية متشابكة: إذ أدرج جزء واسع من الذاكرة الإسلامية داخل خطاب أمني مرتبط بالإرهاب بعد تفجيرات الدار البيضاء سنة 2003، في حين تشكل أدب السجون اليساري داخل حقل حقوقي وثقافي وصحفي سبق أن منح المعتقل السياسي شرعية رمزية ومؤسساتية معترفا بها نسبيا منذ نهاية التسعينيات. كما تناقش الدراسة أثر هيئة الإنصاف والمصالحة وحدودها الزمنية والموضوعية، وحدود إدماج المعتقلين الإسلاميين في الذاكرة الرسمية لسنوات الرصاص، ودور النشر والصحافة والجامعة في تحويل الشهادة الفردية إلى تقليد أدبي متراكم، فضلا عن الخوف من كشف الماضي التنظيمي والوصم الاجتماعي وأثر الصدمة النفسية في تأجيل الكتابة. وتخلص الدراسة إلى أن الأدق ليس القول بعدم وجود أدب سجون إسلامي في المغرب، بل القول بوجود إنتاج شهاداتي متفرق لم يتحول بعد إلى تقليد أدبي متراكم ومندمج في الذاكرة الوطنية، وأن سد هذه الفجوة رهين بمشروع أرشيفي وأكاديمي وحقوقي متكامل.
الكلمات المفتاحية: أدب السجون، المعتقلون الإسلاميون، المغرب سنوات الرصاص، الذاكرة الجماعية ،العدالة الانتقالية الشهادة، الوصم، العنف السياسي، هيئة الإنصاف والمصالحة.
مقدمة: من سؤال الغياب إلى سؤال شروط الظهور
يبدو السؤال عن تأخر ظهور أدب السجون المنبثق عن تجربة المعتقلين الإسلاميين في المغرب سؤالا أدبيا في ظاهره، لكنه في عمقه سؤال في التاريخ السياسي والاجتماعي للذاكرة. فالمغرب عرف، منذ الاستقلال سنة 1956، تجارب متعددة من الاعتقال السياسي والتعذيب والاختفاء القسري والمحاكمات الاستثنائية، وشملت هذه التجارب تيارات يسارية وقومية وأمازيغية وصحراوية وإسلامية وعسكرية، تباينت مواقعها من السلطة وأشكال تنظيمها ودرجات قمعها. غير أن الحضور الأدبي لهذه التجارب لم يكن متساويا إذ تحولت تجربة المعتقلين اليساريين والعسكريين، خصوصا في سياق الانفتاح النسبي خلال التسعينيات وما بعد تولي الملك محمد السادس الحكم سنة 1999، إلى مذكرات وشهادات وروايات ومواد صحفية ودراسات جامعية غزيرة نسبيا، بينما ظل الإنتاج المنبثق عن التجربة الإسلامية أقل تراكما وأضعف حضورا في الذاكرة الوطنية والمناهج الدراسية والنقد الأكاديمي.
لا ينبغي تفسير هذا الفرق تفسيرا جوهريا، كأن يكون اليساريون أكثر ميلا إلى الكتابة بحكم طبيعتهم الثقافية، أو الإسلاميون أقل قدرة عليها بحكم بنيتهم الفكرية أو الدينية. فالتجربة السجنية لا تنتج كتابا بصورة الية، وإنما تحتاج إلى شروط اجتماعية ومؤسساتية ولغوية ووسائطية حتى تنتقل من المعاناة الفردية إلى الشهادة الشفوية، ومن الشهادة إلى النص المكتوب، ومن النص المكتوب إلى الكتاب المنشور، ومن الكتاب المنشور إلى جنس أدبي متداول يعترف به النقد والجامعة والمكتبة. وقد بين الباحث المغربي إبراهيم الغبلي أن أدبيات السجن المغربية ارتبطت ارتباطا وثيقا بصعود الصحافة المكتوبة والنقاش العمومي حول عنف الدولة بعد سنة 1999، وأن النشر الصحفي التسلسلي للسرديات السجنية أسهم في تحويل الذكريات الفردية إلى مادة للنقاش الجماعي وفتح إمكانية معرفة عمومية بفظائع الماضي [1، ص. 113-144]. وبعبارة أخرى، فإن ما يمنح تجربة الاعتقال قابلية للتحول إلى أدب ليس شدة الألم في ذاته، بل توفر وسطاء ومؤسسات وشبكات نشر قادرة على استقبال هذا الألم وإعادة صياغته وإدراجه في سردية عمومية أوسع.
وعليه، تقترح هذه الدراسة استبدال عبارة (غياب أدب السجون الإسلامي)، وهي عبارة شائعة التداول لكنها غير دقيقة منهجيا، بعبارة أكثر دقة هي: تأخر تشكل أدب سجون إسلامي مغربي متراكم ومؤثر في الذاكرة الجماعية. فهذا التعديل المنهجي ليس مسألة صياغية فحسب، بل هو موقف إبستيمولوجي، ذلك أن المادة المتاحة، رغم محدوديتها، تشير إلى وجود مذكرات وشهادات ومقابلات ونصوص متفرقة، من بينها أعمال تناولها الغبلي بالتحليل النقدي، مثل مذكرات المفضل المغوتي (ويعلو صوت الأذان من جحيم تازمامارت) الصادرة سنة 2009 [7]، ، فضلا عن شهادات لاحقة لمعتقلين سابقين من قبيل أحمد الحو في كتابه «عائد من المشرحة» الصادر سنة 2021 [6]. غير أن هذه النصوص، على أهميتها، لم تتجمع بعد في مدونة واضحة المعالم توازي مدونة اليسار من حيث الامتداد الزمني، والتنوع الجنسي بين المذكرة والرواية والسيرة، والنقد الجامعي المرافق، والحضور في المناهج والذاكرة العامة [2، ص. 183-210].
تتمثل أطروحة الدراسة المركزية في أن هذا التأخر نتج عن تفاعل ثلاثة أنماط متداخلة من الصمت: صمت أمني وقانوني فرضته حساسية الاعتقالات المرتبطة بملف الإرهاب بعد 2003؛ وصمت اجتماعي وثقافي ولدته صورة المعتقل الإسلامي في المجال العام وما رافقها من التباس في شرعية الضحية، وصمت ذاتي وتنظيمي ارتبط بالخوف والصدمة والحذر من كشف تفاصيل الجماعة والتحولات الفكرية الداخلية. ولا يعني تحليل هذه الأنماط الثلاثة تبرئة أي طرف من المسؤولية الجنائية أو إصدار حكم مسبق على قضايا الإرهاب والعنف السياسي أيا كان مصدره، بل يعني الفصل المنهجي الصارم بين سؤال المسؤولية الجنائية الفردية من جهة، وسؤال الحق في المعاملة الإنسانية والمحاكمة العادلة من جهة أخرى، وبين تقييم الأفكار والمشاريع السياسية من جهة، وتوثيق الانتهاكات الواقعة على الأجساد من جهة ثانية. وهذا الفصل، كما سنبين لاحقا، هو بالضبط ما تنبني عليه أدبيات حقوق الإنسان الدولية في تعاملها مع ملفات مكافحة الإرهاب.
مفاهيم الدراسة المركزية تحتاج، قبل الخوض في التحليل، إلى تحديد إجرائي دقيق يمنع الخلط بينها على امتداد فصول الدراسة. فـ(أدب السجون) في هذه الدراسة هو مجموع النصوص التي تجعل تجربة الاعتقال والسجن والتعذيب والتحول الذاتي موضوعا سرديا أو شهاداتيا مركزيا، لا مجرد ذكر عابر ضمن سياق أوسع. أما (الشهادة) فهي خطاب يقدمه الناجي نفسه أو أقرباؤه أو محاموه بهدف نقل تجربة العنف وإثباتها أو تفسير آثارها اللاحقة على الفرد والأسرة والمجتمع. وتشير (الذاكرة الإسلامية) إلى الذاكرة التي يصوغها فاعلون إسلاميون من داخل تجربتهم وانتماءاتهم وتأويلاتهم الخاصة، بينما تعني (أسلمة الذاكرة) إعادة تأويل تجربة أو ذاكرة سابقة ضمن إطار إسلامي لاحق، بما قد يغير دلالتها الأصلية دون أن يكون أصحابها بالضرورة إسلاميين في لحظة وقوع الحدث. أما (الذاكرة المؤجلة)، وهو مفهوم تقترحه هذه الدراسة وتفصله في القسم التاسع، فيعني ذاكرة موجودة وحية في المجال الشفوي أو الخاص أو التنظيمي، لكنها لم تنتقل بعد إلى النشر والأرشفة والاعتراف العمومي.
إشكالية الدراسة وأسئلتها ومنهجها
تتمثل إشكالية هذه الدراسة في تفسير الفجوة القائمة بين اتساع تجربة الاعتقال الإسلامي في المغرب، من حيث عدد المعتقلين وامتداد الملف الزمني، وبين محدودية تحويل هذه التجربة إلى كتابة أدبية وشهادات منشورة ومتداولة في الحقل الثقافي العام. ولا تكفي الإجابة السطحية القائلة بأن الإسلاميين لم يكتبوا، لأن هذه الإجابة تتجاهل جملة من الفوارق الدقيقة والضرورية: الفارق بين مراحل الاعتقال المختلفة تاريخيا (السبعينيات والثمانينيات مقابل ما بعد 2003) والفارق بين النصوص المنشورة وغير المنشورة التي قد تظل حبيسة الأدراج أو التداول العائلي، والفارق بين الشهادة الحقوقية الموجهة إلى هيئة أو منظمة والسيرة الأدبية الموجهة إلى قارئ عام، كما تتجاهل هذه الإجابة السطحية دور الوسطاء الثقافيين الذين يجعلون النص قابلا للوصول والتلقي والتداول، وهم الناشر والمحرر والصحفي والناقد والأستاذ الجامعي.
تسعى الدراسة، انطلاقا من هذه الإشكالية، إلى الإجابة عن مجموعة من الأسئلة المترابطة: كيف أثرت التحولات السياسية والحقوقية التي عرفها المغرب منذ التسعينيات في شرعية الشهادة الإسلامية مقارنة بالشهادة اليسارية؟ ما أثر الانتقال في الخطاب العمومي من صورة (المعارض السياسي) التي حظي بها المعتقل اليساري إلى صورة (المشتبه في الإرهاب)التي ألصقت بكثير من المعتقلين الإسلاميين بعد 2003؟ لماذا استفادت ذاكرة اليسار من شبكات النشر والصحافة والجامعة والنقابة أكثر بكثير مما استفادت منه الذاكرة الإسلامية؟ كيف أسهمت الصدمة النفسية والخوف الاجتماعي والوصم والحذر التنظيمي، مجتمعة، في تأجيل فعل الكتابة لعقود أحيانا؟ وأخيرا، وهو السؤال الأكثر أهمية منهجيا: هل نحن أمام غياب فعلي للذاكرة الإسلامية، أم أمام ذاكرة مؤجلة وغير مفهرسة تنتظر الشروط الملائمة لظهورها؟
كما ينبغي التنبيه إلى أن بعض المعطيات الرقمية والتفصيلية الواردة في هذه الدراسة، ولا سيما ما يتعلق بأعداد المعتقلين أو تواريخ إصدار بعض النصوص أو تفاصيل السير الفردية، مستقاة من مصادر ثانوية متعددة (تقارير حقوقية دولية، مقالات صحفية، دراسات أكاديمية محكمة)، وينبغي التعامل معها بوصفها معطيات موثقة قدر الإمكان، مع بقاء الحاجة قائمة إلى مقابلتها بالمصادر الأولية كلما أمكن ذلك، خصوصا في الأبحاث الميدانية اللاحقة التي قد تستكمل هذا العمل. وتلتزم الدراسة، من الناحية الأخلاقية، بمبدأ الفصل الصارم بين وصف الظاهرة وتفسيرها من جهة، وإصدار أحكام قيمية على الأفراد أو الجماعات من جهة أخرى، بما ينسجم مع أخلاقيات البحث في القضايا الحساسة المرتبطة بالعنف السياسي والإرهاب.
التمييز بين مرحلتين تاريخيتين للاعتقال الإسلامي
لا يجوز، من الناحية المنهجية، وضع جميع المعتقلين الإسلاميين المغاربة في سياق تاريخي واحد، ذلك أن الإسلاميين الذين تعرضوا للاعتقال في السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي كانوا يتحركون داخل نظام سياسي وثقافي وأمني يختلف اختلافا نوعيا عن النظام الذي ساد ما بعد تفجيرات 2003. فقد ارتبطت بعض الاعتقالات الأولى، ولا سيما تلك المتصلة بقضية اغتيال الزعيم النقابي عمر بنجلون سنة 1975، بصراعات الدولة مع الحركات الإسلامية الناشئة آنذاك، وبقضايا تنظيمية وسياسية وأمنية متداخلة يصعب فصلها عن السياق العام لسنوات الرصاص. كما أن الاعتقال في تلك المرحلة كان جزءا من مناخ قمعي أوسع شمل اليساريين والمعارضين والعسكريين على حد سواء، وإن اختلفت المواقع والأحكام والتمثلات الاجتماعية لكل فئة.
كانت تجربة مركز الاعتقال السري (درب مولاي الشريف) بالدار البيضاء، على سبيل المثال، فضاء متعدد الانتماءات السياسية والفكرية، وتحول لاحقا إلى رمز من رموز عنف الدولة الراسخة في الذاكرة المغربية الجماعية. إلا أن تحويل المكان إلى رمز عام لا يعني بالضرورة أن كل الجماعات والأفراد الذين مروا به قد حظوا بالدرجة نفسها من الاعتراف والتوثيق. فقد دخلت بعض الشهادات، ولا سيما تلك الصادرة عن معتقلين يساريين، في شبكة متكاملة من النشر والحقوق والبحث الأكاديمي، بينما ظلت شهادات أخرى، وبينها شهادات إسلاميين، حبيسة نطاق الجماعة الضيق أو الأسرة أو التداول الشفوي غير الموثق. ومن ثم فإن حضور المكان الرمزي في الذاكرة الوطنية لا يضمن تلقائيا حضور جميع ضحاياه بالتساوي، بل قد يعيد إنتاج التفاوت نفسه الذي عرفته لحظة الاعتقال.
يمثل ظهور مذكرات إسلامية متأخرة زمنيا، مثل كتاب أحمد الحو عائد من المشرحة، الصادر عن دار الوطن للصحافة والطباعة والنشر سنة 2021، دلالة منهجية مهمة تستحق التوقف عندها. فقد أمضى الحو، بحسب ما تناقلته تغطيات صحفية متعددة عند صدور الكتاب، نحو خمس عشرة سنة في السجن (1983-1998)، بعد الحكم عليه بالإعدام في سياق قضايا مرتبطة بأحداث سنوات الرصاص، قبل أن يرفض طلب العفو الملكي في مناسبات متعددة ويواصل نضاله داخل السجن عبر الإضرابات عن الطعام وتنظيم مقاومة معتقلي الرأي. غير أن التجربة التي عاشها داخل السجن لم تتحول إلى كتابة إلا بعد أكثر من عقدين من مغادرته المعتقل، أي بعد مسافة زمنية طويلة تفصل بين الحدث واستعادته سرديا.
وتكتسب هذه المسافة الزمنية أهمية خاصة إذا نظرنا إليها في سياق تطور أدب السجون المغربي. فالمسألة هنا لا تتعلق بمجرد تأخر في إصدار كتاب، وإنما بتأخر في انتقال التجربة من الذاكرة الفردية إلى الذاكرة المكتوبة، ومن المعاناة المعاشة إلى الشهادة المؤطرة سرديا. لقد احتاج أحمد الحو إلى أكثر من عقدين بعد خروجه من السجن حتى يبدأ عملية البوح، وكأن التجربة لم تكن قابلة للكتابة بمجرد انتهاء الاعتقال، بل كانت تحتاج إلى زمن طويل حتى تتحول من جرح حي إلى ذاكرة قابلة للاستعادة والتأمل.
ومن هذه الزاوية، يمكن القول إن تأخر عائد من المشرحة لا ينبغي أن يقرأ بوصفه حالة فردية معزولة، بل باعتباره مؤشرا على مشكلة أوسع عرفتها التجربة السجنية الإسلامية في المغرب: لماذا تأخرت الكتابة عن الاعتقال الإسلامي، رغم أن المعتقلين الإسلاميين عاشوا، في مراحل مختلفة، تجربة السجن والتعذيب والمحاكمة والحرمان نفسها التي أنتجت لدى اليسار المغربي رصيدا مبكرا من المذكرات والشهادات؟
فالخروج من السجن لا يعني بالضرورة القدرة على الكتابة عنه. وقد يكون العكس هو الصحيح أحياناً: فكلما كانت التجربة أكثر التصاقا بالهوية والمعتقد والاتهام والوصم الاجتماعي، ازدادت صعوبة تحويلها إلى نص. ولذلك قد يكون الصمت الذي أعقب تجربة الاعتقال الإسلامي أطول من الصمت الذي أعقب تجارب اعتقالية أخرى، لأن المعتقل لم يكن مطالبا فقط باستعادة ما حدث له، وإنما كان مضطرا أيضا إلى إعادة بناء علاقته بذاته وبفكرته وبالمجتمع الذي خرج إليه.
وعليه، فإن السؤال لا ينبغي أن يكون فقط: لماذا لم يكتب المعتقلون الإسلاميون؟ بل ينبغي أن يعاد طرحه بصورة أعمق: ما الشروط التي كان ينبغي أن تتوافر حتى يصبح المعتقل الإسلامي قادراً على كتابة سجنه؟ وهل كان تأخر الكتابة نتيجة للخوف، أم للوصم، أم للانشغال بإعادة بناء الحياة بعد الإفراج، أم لصعوبة مراجعة التجربة فكريا، أم لأن الذاكرة الإسلامية السجنية ظلت زمنا طويلا أسيرة خطاب المظلومية ولم تنتقل بعد إلى مرحلة الشهادة والتحليل؟
إن أهمية تجربة أحمد الحو تكمن، من هذه الزاوية، في أنها تفتح نافذة على هذه المسافة المسكوت عنها بين السجن والكتابة، وبين الخروج والبوح. فالنص الذي يأتي بعد أكثر من عشرين عاما من انتهاء الاعتقال لا يوثق الماضي فقط، وإنما يكشف أيضا عن الزمن الذي احتاجته الذات المعتقلة لكي تصبح قادرة على النظر إلى ماضيها من خارجه. ومن هنا يمكن اعتبار عائد من المشرحة ليس مجرد مذكرات سجين، بل وثيقة على تاريخ متأخر للذاكرة السجنية الإسلامية المغربية.
ولعل المفارقة الأهم أن اليساري المغربي استطاع، في وقت أبكر، أن يحول السجن إلى مادة للكتابة وإلى فضاء لإعادة مساءلة السلطة والتاريخ والمجتمع، بينما احتاجت التجربة الإسلامية إلى سنوات طويلة قبل أن تبدأ في إنتاج ذاكرتها المكتوبة. وهذا الفارق الزمني نفسه يستحق أن يكون موضوعا للبحث، لأنه قد يكشف أن الاختلاف بين التجربتين لا يكمن فقط في طبيعة الاعتقال، وإنما في الطريقة التي فهم بها كل تيار علاقته بذاته، وبالسلطة، وبالمجتمع، وبالماضي الذي خرج منه.
تختلف مرحلة ما بعد تفجيرات الدار البيضاء في 16 ماي 2003 اختلافا نوعيا عما سبقها. فقد جاءت الاعتقالات هذه المرة داخل سياق عالمي ومحلي عنوانه الأبرز (مكافحة الإرهاب)، وفي ظل إعادة تعريف شاملة للعلاقة بين مقتضيات الأمن ومقتضيات الحقوق. ويوثق تقرير منظمة هيومن رايتس ووتش الصادر في أكتوبر 2004 تحت عنوان (المغرب: حقوق الإنسان على مفترق طرق) أن الاعتقالات تصاعدت بشكل حاد بعد الهجمات، إذ قدرت منظمات حقوقية مغربية عدد الأشخاص الذين تم اعتقالهم في الأشهر التالية بما يتراوح بين ألفي وخمسة آلاف شخص، فيما أعلن وزير العدل آنذاك، بعد سنة كاملة من التفجيرات، أن 2112 شخصا من التيار الإسلامي وُجهت إليهم تهم متصلة بتلك الأحداث [3]. ويسجل التقرير نفسه ورود شهادات موثقة عن احتجاز عدد كبير من الموقوفين بمعزل عن العالم الخارجي، وممارسة التعذيب وسوء المعاملة، وتقييد شديد لضمانات المحاكمة العادلة خلال تلك الحقبة [3]. ويؤكد التقرير في الوقت نفسه أن السلطات المغربية كانت تواجه تهديدا أمنيا حقيقيا لا يمكن إنكاره، لكنه يشدد على أن مواجهة هذا التهديد لا تعفي الدولة، بأي حال، من الالتزام المطلق بحظر التعذيب وضمان حق المتهمين في محاكمة عادلة [3].
تكمن الأهمية التحليلية لهذا السياق في كونه غير جذريا شروط استقبال الشهادة في الفضاء العمومي المغربي. فالمعتقل اليساري كان يستطيع، في الغالب، أن يقدم نفسه أمام الرأي العام بوصفه معارضا سياسيا مناضلا من أجل الديمقراطية وحقوق الإنسان، حتى في الحالات التي اختلف فيها الناس مع أفكاره الأيديولوجية. أما المعتقل الإسلامي في مرحلة ما بعد 2003 فكان يدخل المجال العام محاطا سلفا بتصنيفات أمنية وقضائية وإعلامية جاهزة من قبيل (الإرهابي) و(المتطرف) و(المتشدد)، وهي تصنيفات تسبق أي محاولة للاستماع إلى تفاصيل تجربته الشخصية. ولا تحسم هذه الدراسة، من موقعها التحليلي، صحة الاتهامات الموجهة إلى هذا المعتقل أو ذاك أو بطلانها، إنما تحلل، حصريا، أثر هذه التصنيفات المسبقة في إمكانية سماع الضحية والاعتراف بمعاناتها بمعزل عن موقف الفرد أو الجماعة من قضايا العنف السياسي.
ونتيجة لهذا التحول في بنية الاستقبال، أصبح السؤال العمومي في كثير من الحالات هو: (لماذا اعتقل؟) بدل أن يكون: (ماذا حدث له أثناء الاعتقال؟). والنتيجة العملية لهذا الانزياح أن تجربة التعذيب أو الاحتجاز غير القانوني قد تهمش أو تختزل بسبب استمرار الجدل حول شرعية الاتهام الأصلي أو صحته. وهذا ما يمكن تسميته إجرائيا تغليب الإطار الأمني على الإطار الشهاداتي في تلقي هذا النوع من الشهادات. فحين تقرأ المذكرات الإسلامية بوصفها اعترافا ضمنيا أو محاولة تبرير أو كشفا لشبكات تنظيمية، يقل احتمال استقبالها في الحقل الثقافي بوصفها أدبا أو شهادة إنسانية على معاناة جسدية ونفسية موثقة، مهما بلغت هذه المعاناة من الحدة والتوثيق.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك