الخبر غير موجود

مآلات الفرد الإسلامي بعد تراجع المشروع الحركي..دراسة مقارنة:المغرب ومصر(الحلقة2)
تقارير / الجمعة 14 غشت 2026 / لا توجد تعليقات: لمجيد

أنتلجنسيا:عبد الفتاح الحيداوي

بناء الهوية بعد الخروج

في دراسة محورية بعنوان (التحول إلى سابق: ديناميات الانفصال عن جماعة الإخوان المسلمين في مصر بعد 2011)المنشورة في مجلة Middle East Law and Governance سنة 2021، يقدم مصطفى منشاوي وخليل العناني إطارا تفسيريا لعملية الانفكاك عن جماعة الإخوان المسلمين المصرية باعتبارها عملية مركبة من ثلاثة أبعاد متمايزة: بعد أيديولوجي (إعادة النظر في المنظومة الفكرية)، وبعد سياسي (إعادة تقييم الجدوى والاستراتيجية)، وبعد وجداني-عاطفي (فك الارتباط العاطفي بالجماعة وقادتها). استند الباحثان إلى مقابلات موسعة مع أعضاء سابقين في مصر وتركيا وبريطانيا وقطر، وخلصا إلى أن هذه الأبعاد الثلاثة تتفاعل معا لتشكل الطريقة التي يعيد بها (العضو السابق) بناء هويته ومعناه الشخصي بعد الخروج.

« الانفكاك عن جماعة الإخوان المسلمين ليس حدثاً واحداً بل مسار مركّب من عمليات أيديولوجية وسياسية ووجدانية متمايزة تشكّل الطريقة التي يعيد بها الأعضاء السابقون بناء معنى جديد لهويتهم » — إعادة صياغة لخلاصة منشاوي والعناني (٢٠٢١)

تصنيف مقترح لمسارات الفرد بعد الخروج

بناء على المراجعة النظرية أعلاه، يمكن تنظيم مسارات الفرد الإسلامي بعد تراجع التزامه بالتنظيم على محورين متقاطعين بدل تصنيف خطي مسطّح:

المحور الأول: موقف الفرد من التنظيم الأم بعد الخروج (عدائي / محايد / ودي).

المحور الثاني: الوجهة التي يختارها الفرد بعد الخروج (تنظيم بديل، إنتاج فكري مستقل، عمل مدني أو سياسي عام، تدين فردي غير مؤسسي، انسحاب كامل من الشأن العام، تشدد مضاد، أو قطيعة مع المرجعية الدينية-السياسية ذاتها).

هذه المصفوفة تنتج ثمانية أنماط رئيسية، أوردها فيما يلي مع الإحالة إلى الأدبيات التي تسندها:

النمط الأول: الانقلابي العدائي 

يمثل الانقلابي العدائي أحد أكثر أنماط الانفكاك حدة، إذ لا ينتهي خروج الفرد من التنظيم بمجرد قطع العلاقة التنظيمية، وإنما يتحول في كثير من الحالات إلى إعادة تموضع نفسي وفكري وسياسي تقوم على نقد التنظيم السابق ورفضه، بل وأحيانا على معاداته بصورة صريحة. ويظهر هذا النمط خصوصا عندما يشعر الفرد بأن التنظيم الذي كان يعول عليه لم يعد قادرا على تحقيق الوعود التي شكلت أساس انتمائه إليه، سواء تعلق الأمر بتحقيق معنى ديني أو أخلاقي، أو الحصول على الاعتراف والمكانة داخل الجماعة، أو المشاركة في مشروع سياسي يعتقد أنه قادر على إحداث التغيير.

ولا ينبغي، في هذا السياق، النظر إلى الخروج باعتباره مجرد نتيجة لخلاف فكري أو تنظيمي عابر إذ قد يكون الانفكاك بالنسبة إلى الفرد أزمة هوية وانتماء. فالشخص الذي استثمر جزءا من حياته وعلاقاته وطاقته العاطفية والاجتماعية داخل التنظيم قد يجد نفسه، بعد اكتشاف التناقض بين الصورة التي كان يحملها عن الجماعة والممارسة الفعلية لها، أمام حالة من خيبة الأمل العميقة. وكلما كان مستوى الارتباط السابق مرتفعا، أمكن أن تكون الصدمة الناتجة عن الانفصال أكثر قوة. ومن هنا يمكن فهم المفارقة التي تميز هذا النمط: كلما كان الانتماء السابق أكثر كثافة، كان احتمال أن يتحول الانفصال إلى عداء أكثر قابلية للظهور.

وتشير الأدبيات التي تناولت الانفكاك عن الجماعات الإسلامية إلى أهمية البعد الوجداني في تفسير هذه العملية. وفي هذا الإطار، توثق دراسة منشاوي والعناني (2021) كيف يمكن أن يتحول الانفصال من مجرد مراجعة معرفية أو اختلاف تنظيمي إلى موقف عاطفي سلبي تجاه الجماعة. فالمشاعر التي كانت في مرحلة الانتماء مرتبطة بالثقة والولاء والإعجاب يمكن أن تنقلب، بعد تجربة الخيبة، إلى مشاعر من الغضب والاستياء والشعور بالخداع. ويصبح التنظيم، في نظر المنفصل، ليس فقط مشروعا فشل في تحقيق أهدافه، وإنما أحيانا مصدر المشكلة التي ينبغي تفسيرها ونقدها وكشفها.

ويأخذ هذا التحول عدة أشكال. فقد يكتفي الفرد بممارسة النقد الداخلي أو العلني للتنظيم السابق، من خلال تفكيك خطابه ومراجعة ممارساته التنظيمية والسياسية والدعوية. وقد ينتقل إلى مستوى أكثر حدة، فيبدأ في نشر شهاداته الشخصية حول تجربته السابقة، أو التواصل مع أفراد ما زالوا داخل التنظيم، أو المشاركة في نقاشات عامة تهدف إلى كشف ما يعتبره تناقضات بين الخطاب والممارسة. وفي حالات أخرى، قد يتحول الانفصال إلى نشاط مضاد للتنظيم، بحيث يصبح جزء من هوية الفرد الجديدة قائما على رفض الجماعة والتحذير منها.

كما أن الانقلابي العدائي لا يتخذ بالضرورة اتجاها أيديولوجيا واحدا. فقد يغادر الفرد التنظيم ليلتحق بتنظيم آخر يراه أكثر التزاما بالمبادئ التي كان يؤمن بها، وهو ما يجعل الانفكاك في بعض الحالات انتقالا أفقيا داخل المجال الأيديولوجي نفسه وليس خروجا منه. وقد ينتقل، على العكس، إلى موقع أكثر اعتدالا، أو إلى العمل الحقوقي والمدني والسياسي، أو يختار الانسحاب الكامل من المجال التنظيمي واحيانا التربوي . لذلك فإن العدائية تجاه التنظيم السابق لا تعني بالضرورة التخلي عن كل الأفكار التي كانت وراء الانتماء الأول فقد يحتفظ الفرد بجزء من منظومته الفكرية، لكنه يعيد تفسيرها بعيدا عن التنظيم الذي كان يحتكر تمثيلها في نظره.

ومن العناصر المهمة في هذا النمط أن العداء قد يكون موجها إلى التنظيم وليس بالضرورة إلى الفكرة التي قام عليها. فقد يقول الفرد، بصورة ضمنية أو صريحة (المشكلة ليست في القضية، وإنما في الطريقة التي أدارت بها الجماعة هذه القضية). وفي حالات أخرى، يحدث تحول أعمق، فيصبح النقد موجها إلى المبادئ والأفكار نفسها التي كانت تشكل أساس الانتماء. ولهذا فإن الانقلابي العدائي ينبغي أن يدرس باعتباره طيفا متدرجا يبدأ من خيبة الأمل والاستياء، ويمر بالنقد والمواجهة، وقد يصل إلى القطيعة الفكرية الكاملة أو النشاط المضاد.

وتكتسب تجربة السجن والاحتكاك بالمؤسسات أهمية خاصة في دراسة هذا النمط في الحالة المغربية. فالسجن قد يشكل، بالنسبة لبعض المنتمين سابقا إلى التيارات السلفية الجهادية، فضاء لإعادة تقييم الأفكار والعلاقات التنظيمية، لكنه قد يكون في حالات أخرى مجالا لتراكم مشاعر الغضب تجاه التنظيم أو تجاه الرفاق السابقين أو تجاه التجربة برمتها. وبعد الخروج، يمكن أن تتخذ هذه المراجعات شكل مواقف أكثر وضوحا، خصوصا عندما يواجه الفرد واقعا اجتماعيا ومهنيا مختلفا عما كان يتصوره قبل الاعتقال. وهنا قد تتداخل الخيبة التنظيمية مع تجربة السجن وما بعد السجن لتنتج موقفا نقديا مركبا.

ومن ثم، فإن الانقلابي العدائي لا ينبغي اختزاله في صورة (العضو السابق الغاضب)، لأن عدائيته قد تكون في الواقع مرحلة من مراحل إعادة بناء الذات بعد الانفصال. فالفرد يحتاج إلى إنتاج رواية جديدة عن ماضيه تفسر لماذا انتمى، ولماذا غادر، ومن المسؤول عن الخيبة، وما الذي يؤمن به الآن. وفي هذه العملية تصبح الجماعة السابقة جزءا مركزيا من السيرة الذاتية الجديدة، ولكن بصورة معكوسة فبعد أن كانت الجماعة مصدر تعريف للذات، تصبح موضوعا للنقد والتبرؤ وإعادة التفسير.

ومن هذه الزاوية، يمكن القول إن الانفكاك العدائي يمثل انتقالا من (هوية الانتماء) إلى (هوية الرفض) ففي المرحلة الأولى كان الفرد يعرف نفسه من خلال عضويته وانتمائه أما بعد الانفصال، فقد يبدأ في تعريف ذاته من خلال المسافة التي تفصله عن التنظيم السابق. وهذه النقطة مهمة منهجيا، لأن استمرار الحديث عن التنظيم بعد الخروج لا يعني بالضرورة استمرار الانتماء إليه بل قد يكون العكس تماما قد يصبح نقد التنظيم وسيلة لإثبات الانفصال عنه وترسيخ الهوية الجديدة.

وبذلك يكشف هذا النمط عن إحدى المفارقات الأساسية في ديناميات الانفكاك: الخروج من التنظيم لا يعني دائما انتهاء العلاقة النفسية به. فقد تنتهي العضوية التنظيمية، بينما يستمر حضور التنظيم في الذاكرة واللغة والمواقف، ولكن في صورة سلبية. ولذلك فإن دراسة الانقلابي العدائي تقتضي التمييز بين الانفصال التنظيمي، والانفصال الفكري، والانفصال العاطفي فقد تتحقق هذه المستويات في أوقات مختلفة، وقد يخرج الفرد تنظيميا قبل أن يتحرر نفسيا أو فكريا من منظومة الانتماء السابقة.

وهذا ما يجعل هذا النمط مهما في دراسة التحولات التي تطرأ على الأفراد بعد مغادرة الجماعات الإسلامية أو السلفية الجهادية، لأنه يكشف أن الانفكاك ليس لحظة واحدة، بل مسارا لإعادة بناء الهوية والمواقف والعلاقات، يمكن أن يبدأ بالخيبة وينتهي بالنقد والمواجهة، أو يتطور لاحقا إلى مراجعة فكرية أكثر هدوءا وانخراطا في مجالات جديدة، مثل العمل الحقوقي أو المدني.

النمط الثاني: الودود المنتج للفكر 

نشأ تيار (الإسلاميين التقدميين) في تونس بوصفه أحد أوائل أشكال الانشقاق الفكري الحقيقي داخل الحركة الإسلامية التونسية، إذ خرجت مجموعة من الكوادر الشابة في أواخر سبعينيات القرن العشرين وبداية الثمانينيات من (الجماعة الإسلامية)، التي ستتحول لاحقا إلى (حركة الاتجاه الإسلامي) ثم إلى (حركة النهضة). وكان أحميدة النيفر، المنحدر من عائلة علمية ودينية معروفة في تونس العاصمة، من مؤسسي الجماعة الإسلامية قبل أن يغادرها في نهاية السبعينيات، ليكون لاحقا أحد أبرز مؤسسي تيار الإسلاميين التقدميين، إلى جانب صلاح الدين الجورشي الذي انتمى بدوره إلى الجماعة الإسلامية في السبعينيات ثم خرج منها في نهاية العقد نفسه. ولم يكن هذا الخروج مجرد انشقاق تنظيمي بالمعنى التقليدي، وإنما كان نتيجة لمسار نقدي داخلي أخذ يتبلور حول طبيعة المشروع الإسلامي وحدود العمل الحركي وأسسه الفكرية والسياسية. وقد أشار راشد الغنوشي، في كتابه (من تجربة الحركة الإسلامية)، إلى وجود حركة نقدية داخل الجماعة أدت إلى تمزقها وخروج مجموعة أطلقت على نفسها اسم (اليسار الإسلامي)، وهي مجموعة قبلت بالتطور الفكري ولم تلتزم بالضوابط التنظيمية الصارمة التي حكمت الحركة الأم. ورغم أن الغنوشي تناول هذه التجربة من زاوية نقدية، فإن شهادته تكشف بوضوح أن جذور الخلاف كانت فكرية ومنهجية بالدرجة الأولى، وليست مجرد خلافات حول المواقع التنظيمية أو أساليب العمل.

وقد تمحور الخلاف حول مجموعة من الأسئلة التأسيسية التي تجاوزت القضايا التنظيمية اليومية إلى إعادة النظر في التصورات التي قامت عليها الحركة الإسلامية. وكان من أبرز هذه الأسئلة مسألة العلاقة بين الدين والدولة، حيث بدأ بعض الإسلاميين التقدميين ينظرون بصورة نقدية إلى مفهوم (الدولة الإسلامية) ذاته، معتبرين أن استدعاء نموذج تاريخي للدولة لا يكفي للإجابة عن الأسئلة الحديثة المتعلقة بطبيعة الدولة ووظائفها وعلاقتها بالمواطنين وآليات تداول السلطة. وفي هذا السياق، رأى صلاح الدين الجورشي أن الحديث عن الدولة ينبغي أن ينطلق من تحديد مؤسساتها واليات اشتغالها وعلاقتها بمواطنيها، بدل الاكتفاء باستحضار نموذج تاريخي مجرد. كما اتجه التيار إلى إعادة التفكير في علاقة النص الديني بالواقع، مستفيدا بصورة خاصة من نظرية المقاصد عند أبي إسحاق الشاطبي، باعتبارها مدخلا يسمح بفهم النصوص في سياقاتها التاريخية والاجتماعية المتغيرة. ولم يكن استدعاء المقاصد مجرد عودة إلى التراث، بل محاولة لاستخدام أدوات من داخل التراث نفسه لتجاوز القراءة الحرفية والجامدة للنص، والتأسيس لفهم أكثر انفتاحا وقدرة على الاستجابة للتحولات الحديثة. ومن هنا أصبح التراث الفقهي بالنسبة إلى الإسلاميين التقدميين مجالًا لإعادة الاجتهاد والتأويل، لا مجرد مرجعية مغلقة ونهائية.

ولم تكن تسمية (اليسار الإسلامي) أو (الإسلاميين التقدميين) ظاهرة تونسية معزولة، وإنما جاءت ضمن سياق فكري عربي أوسع. فقد ارتبط مفهوم اليسار الإسلامي في مصر بالمشروع الفكري لحسن حنفي، قبل أن ينتقل إلى تونس في سياق صعود الحركة الإسلامية في نهاية السبعينيات وبداية الثمانينيات. وبذلك نشأت لدى الإسلاميين التقدميين التونسيين صلات فكرية مع تيارات عربية كانت تبحث بدورها عن صيغة جديدة تجمع بين المرجعية الإسلامية وأسئلة الحداثة والعدالة الاجتماعية والديمقراطية. غير أن التجربة التونسية اكتسبت خصوصيتها من ارتباطها المباشر بمسار نقد الحركة الإسلامية من الداخل، ومن سعي عدد من رموزها إلى تحويل هذا النقد إلى مشروع فكري مستقل نسبيً عن التنظيمات الإسلامية التقليدية

وقد برز ضمن هذا التيار عدد من الشخصيات التي أصبح لها حضور في الحياة الفكرية والسياسية والإعلامية التونسية، وفي مقدمتها أحميدة النيفر وصلاح الدين الجورشي، إلى جانب زياد كريشان ومحمد القوماني وغيرهما. كما أنتج التيار أدبياته الخاصة، وكان من أبرزها كتاب (المقدمات النظرية للإسلاميين التقدميين)، الذي صدر في منتصف الثمانينيات ومثل وثيقة مرجعية أساسية للتجربة، وأعد بصورة جماعية وإن ارتبط اسمه خصوصا بصلاح الدين الجورشي ومحمد القوماني وعبد العزيز التميمي. وقد شكل هذا الإنتاج محاولة للانتقال من مجرد الاعتراض على مواقف الحركة الأم إلى بناء تصور فكري متكامل حول الإسلام والسياسة والمجتمع والحداثة والديمقراطية. ومن ثم، فإن أهمية التجربة لا تكمن في حدوث الانشقاق ذاته، وإنما في قدرة الخارجين من التنظيم على تحويل الخلاف الداخلي إلى مشروع فكري مستقل له مفاهيمه وأدبياته وفضاءاته الخاصة.

وقد ظهر هذا التحول بوضوح في انتقال عدد من رموز التيار من النشاط الحركي والدعوي إلى العمل الثقافي والفكري المفتوح. فقد أسس صلاح الدين الجورشي سنة 1989 (منتدى الجاحظ)، الذي تحول إلى فضاء للنقاش الفكري والحوار حول قضايا السياسة والدين والمجتمع، بينما أصدر أحميدة النيفر مجلة (الفكر الإسلامي المستقبلي) ابتداء من سنة 1982، بعد تجربة سابقة في الكتابة بمجلة (المعرفة الإسلامية). واستمرت هذه المجلة إلى منتصف التسعينيات. ويكشف هذا المسار عن تحول مهم في طبيعة الفاعل الإسلامي الخارج من التنظيم فلم يعد هدفه بناء تنظيم بديل بالضرورة، وإنما أصبح الاشتغال على الأفكار والمفاهيم وإنتاج المعرفة والمشاركة في النقاش العمومي. وهنا تكمن إحدى الخصائص الأساسية للتجربة التونسية، إذ انتقل جزء من الفاعلين من (الحركية التنظيمية) إلى (الحضور الفكري والثقافي)، بما جعل الانشقاق وسيلة لإعادة تعريف الذات السياسية والفكرية، وليس مجرد مغادرة للتنظيم.

وتكتسب هذه التجربة أهميتها النموذجية من كونها تقدم أحد أقدم الأمثلة العربية على نمط من الخروج يمكن تسميته (الانشقاق الفكري التقدمي). فهذا النمط لا يقوم على الانتقال من تنظيم إلى تنظيم آخر، ولا على التحول إلى خصم عدائي للحركة الأم، ولا على الانسحاب الكامل من المجال العام، وإنما يقوم على إعادة تعريف العلاقة مع التنظيم من خلال مراجعة الأسس الفكرية التي يقوم عليها. ولذلك فإن الفاعل الخارج لا يتخلى بالضرورة عن مرجعيته الإسلامية، وإنما يعيد تفسيرها بصورة أكثر انفتاحا على مفاهيم الديمقراطية والحداثة وحقوق الإنسان والتعددية. كما أنه لا يتوقف عن العمل العام، بل يعيد نقل نشاطه من المجال التنظيمي المغلق إلى فضاءات أكثر انفتاحا، مثل الصحافة والبحث الفكري والمنتديات الثقافية والنشاط الحقوقي

ومن هذه الزاوية، تمثل تجربة الإسلاميين التقدميين في تونس مرحلة مبكرة في التحول من (الإسلامي الحركي) إلى (الإسلامي الفكري)، حيث لم يعد الانتماء إلى الإسلام مرتبطا بالضرورة بالانضباط داخل تنظيم إسلامي محدد. وقد سمحت هذه المسافة الجديدة للعديد من رموز التيار بالمشاركة في المجال العام من مواقع فكرية وثقافية وسياسية مختلفة، مع الاحتفاظ بدرجات متفاوتة من المرجعية الإسلامية. ولذلك فإن أهمية التجربة تتجاوز حدود تاريخ الحركة الإسلامية التونسية، لأنها تكشف عن أحد المسارات الممكنة التي يمكن أن يسلكها العضو عندما يكتشف أن التنظيم لم يعد قادرا على استيعاب تطوره الفكري بدل الانتقال إلى العداء أو الانسحاب، يمكن أن يتحول الخروج إلى مشروع لإعادة بناء الذات وإنتاج خطاب جديد

وبهذا المعنى، يمكن اعتبار تجربة الإسلاميين التقدميين في تونس نموذجا تأسيسيا لما يمكن تسميته (الخروج الفكري المنتج). فقد اجتمعت فيها ثلاثة عناصر أساسية الخروج من التنظيم دون تحول حتمي إلى خصومة عدائية معه، تحويل الخلاف الفكري إلى مشروع معرفي له أدبياته ومفاهيمه الخاصة، والاستمرار في التأثير من خلال الكتابة والمؤسسات الثقافية والصحافة والنشاط العام بدل الانسحاب من المجال الاجتماعي والسياسي

النمط الثالث: العضوية الاسمية (البقاء الشكلي)

لا يخرج الفرد تنظيميا، لكنه ينفك داخليا عن المنظومة العقدية والحركية؛ وهو ما يصفه هورغان بالانفكاك النفسي دون الانفكاك الفعلي. هذا النمط غير مرئي في الأدبيات التي تركز فقط على من غادر فعليا، لكنه واسع الانتشار في التنظيمات التي تفرض كلفة اجتماعية أو أمنية عالية على الخروج الصريح، كما هو حال جماعة الإخوان المسلمين في مصر بعد 2013.