البطالة ترتفع والمغرب يواجه أزمة اجتماعية صامتة وتقرير رسمي يفضح الأعطاب الكبرى بالمملكة

البطالة ترتفع والمغرب يواجه أزمة اجتماعية صامتة وتقرير رسمي يفضح الأعطاب الكبرى بالمملكة
تقارير / الإثنين 10 غشت 2026 / لا توجد تعليقات:

أنتلجنسيا:أبو فراس

رغم الخطابات الرسمية المتفائلة حول مؤشرات التنمية والإصلاحات الاجتماعية، كشفت أحدث المعطيات الصادرة عن المندوبية السامية للتخطيط عن واقع مقلق يعكس استمرار اختلالات عميقة تضرب سوق الشغل والتعليم والصحة، وتضع الحكومة أمام أسئلة صعبة بشأن فعالية السياسات العمومية في مواجهة التحديات الاجتماعية المتفاقمة.

ففي تقرير «المؤشرات الاجتماعية للمغرب لسنة 2026»، برزت صورة مركبة لمجتمع يعيش تحولات متسارعة، لكنها لا تخفي استمرار أزمات هيكلية تتجلى أساساً في ارتفاع البطالة، وضعف اندماج النساء في الدورة الاقتصادية، واستمرار التفاوتات المجالية في الاستفادة من الخدمات الأساسية والفرص التنموية.

وأظهرت معطيات التقرير أن عدد السكان النشيطين اقتصادياً بلغ خلال سنة 2024 ما يقارب 12.31 مليون شخص، من بينهم نحو 10.67 ملايين مشتغل، بينما استقر معدل النشاط عند 43.5 في المائة ومعدل الشغل عند 37.7 في المائة. غير أن الأرقام تكشف فجوة كبيرة بين الرجال والنساء، حيث بلغ معدل النشاط لدى الرجال 68.6 في المائة مقابل 19.1 في المائة فقط لدى النساء، في حين وصل معدل الشغل إلى 60.7 في المائة لدى الرجال مقابل 15.3 في المائة لدى النساء.

وتؤكد هذه المؤشرات أن مشاركة المرأة المغربية في سوق العمل لا تزال تواجه عراقيل بنيوية عميقة، ما يحرم الاقتصاد الوطني من طاقات بشرية مهمة ويكرس فجوة اجتماعية واقتصادية مستمرة منذ سنوات.

وفي ما يتعلق بالبطالة، سجل التقرير ارتفاعاً جديداً في عدد العاطلين عن العمل ليصل إلى نحو 1.64 مليون شخص خلال سنة 2024، مع صعود معدل البطالة إلى 13.3 في المائة بعدما كان في حدود 13 في المائة سنة 2023، وهو ما يعكس استمرار العجز عن خلق فرص شغل كافية لاستيعاب الأعداد المتزايدة من الباحثين عن العمل.

كما أظهرت الأرقام وجود تفاوتات ترابية صارخة، حيث تصدرت جهات الجنوب قائمة المناطق الأكثر تضرراً من البطالة بنسبة بلغت 22.2 في المائة، تلتها جهة الشرق بـ20.9 في المائة، ثم جهة الدار البيضاء-سطات بـ15 في المائة، وجهة فاس-مكناس بـ14.4 في المائة، ما يعكس استمرار الاختلال في توزيع فرص التنمية والاستثمار بين مختلف جهات المملكة.

وفي قطاع التعليم، سجل المغرب توسعاً في أعداد المتمدرسين خلال الموسم الدراسي 2024-2025، حيث بلغ العدد الإجمالي حوالي 10.67 ملايين تلميذ وطالب ومتدرب. واستقطب التعليم الابتدائي أكثر من 4.5 ملايين تلميذ، فيما بلغ عدد تلاميذ التعليم الإعدادي نحو 2.2 مليون، مقابل 1.35 مليون بالتعليم الثانوي التأهيلي، بينما وصل عدد طلبة التعليم العالي إلى 1.25 مليون طالب، إضافة إلى حوالي 405 آلاف متدرب بمؤسسات التكوين المهني.

لكن هذه الأرقام الإيجابية نسبياً تخفي استمرار نزيف الانقطاع التدريجي عن الدراسة كلما ارتفع المستوى التعليمي. فبينما بلغت نسبة التمدرس لدى الأطفال بين 6 و11 سنة حوالي 99.1 في المائة، تراجعت إلى 96.8 في المائة لدى الفئة العمرية بين 12 و14 سنة، ثم إلى 83.2 في المائة فقط لدى الشباب بين 15 و17 سنة، وهو ما يعكس استمرار تحديات الهدر المدرسي وصعوبة الاحتفاظ بالتلاميذ داخل المنظومة التعليمية إلى غاية المراحل المتقدمة.

أما في القطاع الصحي، فقد سجلت نسبة التغطية الطبية على الصعيد الوطني حوالي 69.8 في المائة، مع تفاوتات واضحة بين الجهات. وبينما بلغت هذه النسبة 75.5 في المائة بجهة فاس-مكناس، لم تتجاوز 62.2 في المائة بجهة طنجة-تطوان-الحسيمة، ما يعكس استمرار الفوارق المجالية في الولوج إلى الخدمات الصحية رغم توسيع برامج الحماية الاجتماعية.

كما أظهرت المعطيات أن المغرب يتوفر حالياً على 3065 مؤسسة للرعاية الصحية الأولية و177 مستشفى عمومياً ونحو 28 ألف سرير استشفائي و31.9 ألف طبيب، في وقت ارتفعت فيه ميزانية وزارة الصحة والحماية الاجتماعية إلى 30.69 مليار درهم خلال سنة 2024، مقابل 28.13 مليار درهم سنة 2023 و13.1 مليار درهم فقط سنة 2015.

ورغم الزيادة المتواصلة في الموارد المالية المخصصة للقطاع، فإن التقرير يبرز أن تحسين مؤشرات الإنفاق لا يعني بالضرورة القضاء على الفوارق في توزيع البنيات الصحية والموارد البشرية بين مختلف المناطق، وهو ما يطرح تحديات كبيرة أمام تحقيق العدالة الصحية المنشودة.

وفي جانب آخر لا يقل أهمية، رصد التقرير تحولات ديموغرافية عميقة يشهدها المجتمع المغربي، من بينها ارتفاع عدد المسنين، وتراجع معدلات الخصوبة، وانخفاض حجم الأسر، وتأخر سن الزواج، وارتفاع نسب العزوبة، وهي مؤشرات تنذر بتحديات مستقبلية قد تؤثر بشكل مباشر على منظومات الحماية الاجتماعية والصحة والتعليم وسوق الشغل.

وتكشف الخلاصات العامة للتقرير أن المغرب يوجد أمام مرحلة دقيقة تتطلب أكثر من مجرد تحسين الأرقام والمؤشرات العامة، إذ إن الرهان الحقيقي بات يتمثل في تقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية، وتوسيع فرص الشغل، وتعزيز مشاركة النساء في الاقتصاد، وضمان توزيع أكثر عدالة للخدمات العمومية. وهي تحديات تبدو اليوم أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى في ظل الضغوط الاقتصادية والاجتماعية التي تواجهها فئات واسعة من المواطنين.

لا توجد تعليقات:

للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.

أضف تعليقك