أنتلجنسيا:أبو آلاء
بعد مرور خمسة عشر عاماً على اعتماد دستور 2011 الذي قُدّم آنذاك باعتباره محطة مفصلية في مسار الإصلاح السياسي والدستوري بالمغرب، عادت العصبة المغربية للدفاع عن حقوق الإنسان لتضع حصيلة هذا المسار تحت المجهر، من خلال تقرير حقوقي مطول يرصد ما تحقق وما تعثر، ويطرح أسئلة حارقة حول مدى نجاح الدولة في تحويل المقتضيات الدستورية إلى واقع ملموس ينعكس على حياة المواطنين وحرياتهم وحقوقهم الأساسية.
التقرير، الذي حمل عنوان "حصيلة التنزيل بين المكتسبات النظرية واستمرار الاختلالات الحقوقية والمؤسساتية"، ينطلق من تشخيص يعتبر أن دستور فاتح يوليوز 2011 جاء في سياق سياسي واجتماعي استثنائي طبعته دينامية حركة 20 فبراير وموجة الاحتجاجات التي شهدتها المنطقة العربية، حيث شكل حينها استجابة رسمية لمطالب الإصلاح السياسي والديمقراطي وتوسيع فضاءات الحقوق والحريات وتعزيز الحكامة الجيدة وربط المسؤولية بالمحاسبة. غير أن التقرير يرى أن مرور عقد ونصف من الزمن أصبح كافياً لتقييم موضوعي لمدى وفاء هذا الدستور بالرهانات التي رافقت ميلاده.
وفي هذا السياق، تؤكد العصبة أن الوثيقة الدستورية تضمنت بالفعل مجموعة من المقتضيات المتقدمة التي اعتبرت آنذاك مكاسب مهمة، من بينها التنصيص على منظومة واسعة من الحقوق والحريات الفردية والجماعية، وتعزيز مكانة البرلمان، وتقوية استقلال السلطة القضائية، وإحداث عدد من هيئات الحكامة والمؤسسات الدستورية، فضلاً عن التأكيد على مبادئ الديمقراطية التشاركية وربط المسؤولية بالمحاسبة. غير أن التقرير يسجل أن جزءاً كبيراً من هذه المكتسبات ظل محصوراً داخل النصوص القانونية والدستورية، دون أن يترجم بالشكل المطلوب إلى ممارسات وسياسات عمومية قادرة على إحداث تحول حقيقي في الواقع المؤسساتي والحقوقي.
ويرصد التقرير ما وصفه بـ"الفجوة المتنامية" بين النص الدستوري والتطبيق العملي، معتبراً أن السنوات الماضية كشفت استمرار عدد من الإشكالات التي تعيق التنزيل الكامل لمقتضيات الدستور، سواء على مستوى التشريعات أو الممارسات أو أداء المؤسسات. وبحسب الوثيقة الحقوقية، فإن عدداً من المبادئ التي نص عليها الدستور ما تزال تواجه صعوبات كبيرة في التفعيل، وهو ما ينعكس بشكل مباشر على وضعية الحقوق والحريات وعلى ثقة المواطنين في المؤسسات العمومية.
ويولي التقرير اهتماماً خاصاً لملف الحريات العامة، حيث يشير إلى استمرار نقاشات واسعة بشأن حرية التعبير والرأي وحرية الصحافة والنشر وحق التظاهر السلمي وحرية تأسيس الجمعيات والحق في الوصول إلى المعلومة، معتبراً أن الممارسة العملية أظهرت وجود تحديات تحول دون التمتع الكامل بهذه الحقوق كما نص عليها الدستور. كما يثير التقرير تساؤلات حول مدى فعالية الضمانات القانونية والمؤسساتية الموضوعة لحماية هذه الحقوق وصونها من أي تضييق أو انتهاك.
وفي الشق المؤسساتي، تتوقف الوثيقة عند أداء عدد من المؤسسات الدستورية وهيئات الحكامة، مسجلة أن الرهانات التي عُلقت عليها عند إحداثها لم تتحقق بالكامل، سواء بسبب محدودية الاختصاصات أو ضعف التفعيل أو غياب التأثير الكافي في صناعة القرار العمومي. كما يسلط التقرير الضوء على إشكالية استكمال البناء التشريعي والمؤسساتي المرتبط بالدستور، معتبراً أن بعض الأوراش ما تزال متعثرة رغم مرور سنوات طويلة على اعتماد الوثيقة الدستورية.
أما في ما يتعلق باستقلال السلطة القضائية، فيسجل التقرير أن الإصلاحات المنجزة لا تلغي استمرار النقاش الحقوقي والقانوني حول مدى تكريس استقلال القضاء بشكل فعلي، وضمان شروط المحاكمة العادلة، وتعزيز ثقة المواطنين في العدالة باعتبارها إحدى الركائز الأساسية لدولة الحق والقانون.
كما لم يغفل التقرير الجوانب الاقتصادية والاجتماعية، حيث اعتبر أن الحقوق المرتبطة بالتعليم والصحة والشغل والسكن والحماية الاجتماعية ما تزال تشكل تحدياً حقيقياً أمام مختلف السياسات العمومية، رغم المكانة التي منحها لها دستور 2011 ضمن منظومة الحقوق الأساسية للمواطنين. وترى العصبة أن تحقيق العدالة الاجتماعية والمجالية يظل من أبرز الاختبارات الحقيقية لمدى نجاح أي إصلاح دستوري أو مؤسساتي.
وفي قراءة سياسية أوسع، يخلص التقرير إلى أن الإشكال المطروح اليوم لم يعد مرتبطاً فقط بوجود نصوص دستورية متقدمة، بل بمدى توفر الإرادة السياسية والمؤسساتية الكفيلة بتحويل هذه النصوص إلى واقع يومي يلمسه المواطن في علاقته بالإدارة والقضاء والمؤسسات العمومية. فالدساتير، بحسب روح التقرير، لا تقاس بما تتضمنه من مبادئ وشعارات فقط، وإنما بقدرتها على إنتاج أثر فعلي في حياة الناس وتعزيز شعورهم بالكرامة والإنصاف والمشاركة في تدبير الشأن العام.
ويختتم التقرير خلاصاته بالتأكيد على أن الذكرى الخامسة عشرة لدستور 2011 لا ينبغي أن تكون مجرد مناسبة للاحتفاء بما تحقق، بل فرصة حقيقية لإجراء تقييم نقدي وشامل لمسار التنزيل، وفتح نقاش وطني واسع حول سبل تجاوز الاختلالات القائمة، وتعزيز دولة الحق والقانون، وضمان احترام الحقوق والحريات، وتفعيل المقتضيات الدستورية بما ينسجم مع تطلعات المغاربة إلى مزيد من الديمقراطية والعدالة والكرامة. كما شدد على أن بناء الثقة بين المواطن والمؤسسات يمر عبر الانتقال من مرحلة النصوص والوعود إلى مرحلة التفعيل والمساءلة والإنجاز الملموس على أرض الواقع.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك