أنتلجنسيا:عبد الفتاح الحيداوي
مقدمة
لم يعد ملف المعتقلين السلفيين في المغرب، بعد أكثر من عقدين على أحداث الدار البيضاء 16 ماي 2003، مجرد ملف أمني وقضائي مغلق على نفسه، بل تحول تدريجياً إلى قضية مجتمعية ومؤسساتية مركبة، تتقاطع فيها اعتبارات الأمن العمومي، والشرعية الدينية للدولة، وحقوق الإنسان، والإدماج الاجتماعي والاقتصادي. وقد مر التعامل الرسمي مع هذا الملف بمنعطفات متتالية من المقاربة الأمنية الصرفة في السنوات الأولى بعد 2003، إلى مقاربة المصالحة التي بدأت ملامحها الأولى في أواسط العقد الثاني من الألفية، وصولا إلى تأسيس مؤسسة رسمية قائمة الذات هي مركز مصالحة سنة 2023
غير أن قراءة هذا المسار تطرح إشكالات نظرية ومنهجية عميقة، أبرزها هل ما جرى في المغرب يستحق فعلا وصف مراجعات بالمعنى الذي استقر في الأدبيات المقارنة حول التجارب المصرية والليبية والسعودية؟ ولماذا اختارت الدولة المغربية أن تؤطر هذا المسار بدل أن تترك المعتقلين يراجعون قناعاتهم في سياق فردي حر؟ وهل اقتصر هذا التأطير على البعد الفكري والعقدي دون أن يتجاوزه إلى مشروع اقتصادي واجتماعي متكامل قادر على إغلاق الملف نهائيا؟
الإطار المفاهيمي للمراجعات الفكرية
يعتبر مفهوم (المراجعات) من أكثر المفاهيم تداولا في أدبيات دراسة الحركات الإسلامية الراديكالية، ولا سيما الحركات السلفية الجهادية، غير أن كثافة استعماله إعلاميا وسياسيا أدت إلى اتساع دلالته واختلاطه بمفاهيم أخرى قريبة منه، مثل التراجع، والمراجعة الفكرية، والمناصحة، وإعادة التأهيل، ونزع التطرف، وفك الارتباط، وهو ما يقتضي ضبطه مفاهيميا قبل توظيفه في التحليل العلمي. فالمراجعات، في معناها الأكاديمي الدقيق، لا تشير إلى مجرد وقف استخدام العنف، وإنما تدل على عملية نقد ذاتي يعيد فيها الفرد أو الجماعة فحص الأسس الفكرية والشرعية والسياسية التي قامت عليها ممارساتها السابقة، بما يفضي إلى تعديل جزئي أو كلي في منظومتها المرجعية وفي تصوراتها المتعلقة بالدولة والمجتمع والشرعية والجهاد والتكفير والعلاقة بالآخر. ومن ثم فإن المراجعات ليست حدثا انيا، بل هي مسار فكري وسلوكي مركب، تتفاعل فيه عوامل داخلية مرتبطة بإعادة تقييم التجربة، وعوامل خارجية مرتبطة بالتحولات السياسية والأمنية والاجتماعية، والضغوط التنظيمية، والخبرات الشخصية، والتغيرات التي تطرأ على البيئة المحيطة.
وتؤكد الأدبيات المقارنة أن مفهوم المراجعات ينبغي التمييز فيه بين ثلاثة مستويات تحليلية متمايزة، إذ كثيرا ما يستخدم المصطلح في الخطاب الإعلامي والسياسي للدلالة على جميع أشكال التحول، بينما تكشف الدراسات المتخصصة عن اختلافات جوهرية بينها. ويتمثل المستوى الأول في (فك الارتباط (ويقصد به توقف الفرد أو الجماعة عن ممارسة العنف أو الانسحاب من التنظيمات المسلحة، مع بقاء كثير من القناعات الفكرية أو العقدية التي كانت تبرر ذلك الجهاد. ويعني هذا أن الفرد قد يتخلى عن النشاط المسلح لأسباب براغماتية أو تنظيمية أو أمنية أو نفسية، دون أن يغير موقفه من قضايا مثل الحاكمية أو تكفير الأنظمة أو مشروعية استخدام القوة. ولذلك فإن فك الارتباط يمثل تحولا سلوكيا أكثر منه تحولا فكريا، وقد يكون مؤقتا أو دائما تبعا للظروف التي أنتجته.
أما المستوى الثاني فهو (نزع التطرف)، ويعد أكثر تعقيدا وعمقا، لأنه يتجاوز تغيير السلوك إلى إعادة بناء المنظومة الفكرية نفسها. ويقتضي هذا التحول مراجعة المفاهيم المركزية التي شكلت البنية الأيديولوجية للفكر الجهادي، مثل مفهوم الجهاد، والولاء والبراء، والتكفير، والحاكمية، والجاهلية، وفقه التغيير بحيث يصل الفرد أو الجماعة إلى قناعة معرفية جديدة تتعارض مع التصورات السابقة. ويستلزم هذا النمط من التحول تغيرا في آليات التفكير ومنهج الاستدلال الشرعي، وليس مجرد تغيير في المواقف العملية، ولذلك يعد أقل شيوعا وأكثر صعوبة في القياس، لأنه يرتبط بتحولات داخلية يصعب التحقق من صدقيتها بصورة مباشرة.
أما المستوى الثالث فهو (إعادة الإدماج)، ويشير إلى المرحلة اللاحقة للتحول الفكري أو السلوكي، حيث يتم العمل على إعادة دمج الأفراد داخل المجتمع من خلال توفير شروط الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي والنفسي والأسري، بما يقلل احتمالات العودة إلى النشاط المتطرف. وينطلق هذا التصور من فرضية أن التحول الفكري وحده لا يكفي لضمان الاستقرار طويل الأمد إذا ظل الفرد يعاني من التهميش أو العزلة أو البطالة أو الوصم الاجتماعي، وهو ما يجعل إعادة الإدماج جزءا أساسيا من أي سياسة شاملة لمكافحة التطرف العنيف، وليس مجرد إجراء لاحق للإفراج عن المعتقلين.
وتفيد هذه التفرقة المفاهيمية في تقييم فعالية البرامج الحكومية وتجارب المراجعات المختلفة، إذ تشير معظم الدراسات إلى أن تحقيق (فك الارتباط) غالبا ما يكون أسهل من تحقيق (نزع التطرف)، لأن وقف العنف قد ينتج عن تغير موازين القوة أو طول مدة الاعتقال أو الإرهاق التنظيمي أو الرغبة في تحسين الظروف الشخصية، بينما يتطلب التحول الفكري مراجعات معرفية عميقة قد تستغرق سنوات طويلة، ولا تتحقق إلا إذا توافرت بيئة تسمح بالنقاش الحر وإعادة التفكير النقدي. أما إعادة الإدماج فتظل المرحلة الأكثر هشاشة، لأنها تعتمد على عوامل تتجاوز المؤسسة السجنية أو البرامج الدينية، وتشمل الأسرة وسوق العمل والمؤسسات الاجتماعية والسياسات العمومية.
وفي ضوء هذا الإطار المفاهيمي يمكن التمييز بين ثلاثة أنماط رئيسية للمراجعات في التجارب المقارنة. أولها المراجعات التنظيمية المؤطرة، وهي التي تصدر عن تنظيم يمتلك قيادة مركزية وهيكلا تنظيميا معترفا به، بحيث تتحول المراجعة إلى موقف رسمي ملزم لأعضائه. وتمتاز هذه المراجعات بأنها تنتج وثائق مرجعية مكتوبة، تتضمن إعادة تأويل للمفاهيم المؤسسة للفكر السابق، وتبريرا شرعيا للتحول الجديد، بما يسمح بإعادة بناء الشرعية الداخلية للتنظيم وتقليل الانشقاقات. وقد برز هذا النموذج بصورة واضحة في مراجعات الجماعة الإسلامية المصرية، وتنظيم الجهاد المصري، والجماعة الإسلامية المقاتلة الليبية، حيث لم تقتصر المراجعات على إعلان وقف العنف، بل تضمنت إعادة مناقشة قضايا الحاكمية والجهاد والخروج على الحاكم ومفهوم دار الإسلام ودار الكفر وضوابط التكفير، وهو ما منحها قيمة فكرية مستقلة عن بعدها الأمني.
أما النمط الثاني فهو المراجعات التي تدار من قبل الدولة عبر برامج مؤسساتية لإعادة التأهيل والمناصحة، والتي تعتمد على الحوار الديني والتأهيل النفسي والتكوين المهني والدعم الاجتماعي، بهدف تقليل احتمالات العودة إلى العنف. وتمثل هذه البرامج مقاربة وقائية أكثر منها مشروعا لإنتاج نظرية فكرية جديدة، إذ تركز على تعديل السلوك وتعزيز الاندماج الاجتماعي، بينما يظل أثرها في تغيير البنية الفكرية محل نقاش داخل الأدبيات المتخصصة. فنجاح هذه البرامج يقاس غالبا بانخفاض معدلات العود إلى النشاط العنيف، لكنه لا يعني بالضرورة حدوث مراجعة فكرية عميقة، لأن بعض المستفيدين قد يتبنون سلوكا معتدلا بدافع الحوافز أو الرغبة في الإفراج أو تحسين أوضاعهم، دون أن يكون ذلك مصحوبا بتحول معرفي كامل.
أما النمط الثالث فهو المراجعات الفردية غير المؤطرة، وهي التي يقوم بها أفراد بصورة مستقلة خارج أي إطار تنظيمي أو مؤسساتي، نتيجة خبرات شخصية أو مراجعات معرفية أو تحولات نفسية أو اجتماعية. وتمتاز هذه المراجعات بقدر كبير من الاستقلالية، لكنها تظل محدودة التأثير لأنها لا تستند إلى سلطة تنظيمية ولا تنتج خطابا جماعيا ملزما، كما أنها غالبا ما تبقى في حدود التجربة الشخصية أو الشهادة الذاتية، دون أن تتحول إلى مدرسة فكرية أو مرجعية معتمدة داخل الأوساط الجهادية. ولهذا فإن أثرها يظل رمزيا أكثر منه تنظيميا، على الرغم من أهميتها في فهم ديناميات التحول الفردي.
ويكشف استقراء هذه الأنماط أن المراجعات ليست نموذجا واحدا يمكن تعميمه، وإنما هي ظاهرة متعددة المستويات والأشكال، تختلف باختلاف طبيعة الفاعل الذي ينتجها، والسياق السياسي والأمني الذي تنشأ فيه، والأهداف المرجوة منها، ومدى استقلاليتها عن الضغوط الخارجية. كما أن نجاحها لا يقاس بمجرد التخلي عن العنف، وإنما بقدرتها على إنتاج تحول معرفي مستدام، ينعكس في إعادة صياغة العلاقة مع الدولة والمجتمع والاختلاف الديني والسياسي، وفي بناء تصورات جديدة للتغيير تتجاوز منطق الصراع المسلح. ومن ثم فإن التعامل الأكاديمي مع مفهوم المراجعات يقتضي التمييز بين التحول السلوكي والتحول الفكري والتحول الاجتماعي، وعدم اختزال جميع هذه المستويات في مفهوم واحد، لأن هذا الاختزال يؤدي إلى تقييمات مضللة لنجاح أو فشل تجارب المراجعات في السياقات المختلفة.
خصوصية الحالة
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك