أنتلجنسيا:لبنى مطرفي
فجّر الحجز التنفيذي على الحساب البنكي لمجلس المنافسة لدى الخزينة العامة للمملكة موجة جديدة من الجدل القانوني والسياسي، بعدما أعاد إلى الواجهة سؤالاً حساساً يتعلق بمن يتحمل فعلياً كلفة الأخطاء الإدارية التي تنتهي بأحكام قضائية وتعويضات مالية تؤدى من أموال دافعي الضرائب.
وتحول الملف إلى محطة اختبار حقيقية لمبدأ قانوني ظل لسنوات حبيس النصوص أكثر من حضوره في الممارسة، وهو ما يعرف بـ"حق الرجوع"، الذي يتيح للدولة مطالبة المسؤولين العموميين بإرجاع الأموال المؤداة كتعويضات عندما يثبت أن الضرر ناتج عن أخطاء شخصية جسيمة أو قرارات مخالفة للقانون، وليست مجرد أخطاء مرتبطة بالسير العادي للإدارة.
وتعود جذور القضية إلى نزاع إداري نشب بين مجلس المنافسة وإحدى موظفاته السابقات، بعدما طعنت هذه الأخيرة في قرار إداري اعتبرته تعسفياً ومخالفاً للقانون. وبعد مسار قضائي امتد على مراحل متعددة، انتهت المحاكم إلى إلغاء القرار المطعون فيه ومنح المعنية بالأمر تعويضات مالية، قبل أن تنتقل القضية إلى مرحلة التنفيذ التي بلغت ذروتها بالحجز على الحساب البنكي للمؤسسة لاستخلاص المبالغ المحكوم بها.
وأثار هذا التطور تساؤلات واسعة حول حدود المسؤولية داخل المؤسسات العمومية، خاصة عندما تتحول قرارات إدارية غير مشروعة إلى أحكام قضائية نهائية تكلف خزينة الدولة مبالغ مالية مهمة. فبينما يتم تنفيذ الأحكام من المال العام، يطالب متتبعون للشأن القانوني بتحديد المسؤوليات الفردية وعدم الاكتفاء بتحميل المؤسسة أو الخزينة العامة تبعات أخطاء قد تكون ناتجة عن تقديرات شخصية أو قرارات اتخذت خارج الضوابط القانونية.
ويعتبر مختصون أن القضية تتجاوز حدود نزاع إداري عادي، لتلامس جوهر إشكالية الحكامة وربط المسؤولية بالمحاسبة، خصوصاً في ظل تزايد الأحكام القضائية الصادرة ضد عدد من الإدارات والمؤسسات العمومية وما يرافقها من تعويضات تثقل كاهل المالية العمومية.
كما أعاد الملف إلى دائرة النقاش الدعوات المتزايدة إلى تفعيل آليات أكثر صرامة لمساءلة المسؤولين عن القرارات التي تفضي إلى خسائر مالية للدولة، وذلك من خلال اللجوء إلى "حق الرجوع" باعتباره أداة قانونية تسمح باسترجاع الأموال العمومية من المتسببين المباشرين في الضرر متى ثبتت مسؤوليتهم الشخصية.
ويرى متابعون أن استمرار أداء التعويضات من المال العام دون ترتيب المسؤوليات الفردية يطرح إشكالاً حقيقياً يتعلق بالعدالة والنجاعة في تدبير الشأن العام، ويغذي شعوراً متنامياً بأن كلفة الأخطاء الإدارية يتحملها المواطن في نهاية المطاف، بينما يفلت أصحاب القرارات المثيرة للجدل من أي مساءلة مالية مباشرة.
وفي وقت تتعالى فيه الأصوات المطالبة بحماية المال العام وترشيد الإنفاق العمومي، يضع هذا الملف المؤسسات المعنية أمام امتحان دقيق: هل ستظل التعويضات القضائية تؤدى من جيوب دافعي الضرائب فقط، أم أن مرحلة جديدة ستبدأ عنوانها تحميل المسؤولية لمن تسبب فعلاً في الضرر؟ وهو سؤال بات يفرض نفسه بقوة مع كل حكم قضائي يكشف حجم الفاتورة التي تدفعها الدولة نتيجة قرارات إدارية ثبت أمام القضاء أنها لم تكن مشروعة.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك