أنتلجنسيا:أبو فراس
لم تعد موجات الحر المتتالية التي تجتاح مختلف مناطق المغرب مجرد ظاهرة مناخية عابرة، بل تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى عامل ضغط اقتصادي واجتماعي إضافي يثقل كاهل آلاف الأسر، خصوصا المنتمية إلى الطبقة الوسطى، التي تجد نفسها مضطرة إلى تخصيص ميزانيات استثنائية للهروب من درجات الحرارة المرتفعة وتأمين ظروف عيش أكثر راحة خلال فصل الصيف.
ومع الارتفاع القياسي لدرجات الحرارة في عدد من المدن الداخلية، باتت العطلة الصيفية بالنسبة إلى العديد من العائلات ضرورة فرضتها الظروف المناخية أكثر مما هي خيار ترفيهي، وهو ما أدى إلى ارتفاع الطلب على الشواطئ والمنتجعات والمخيمات الصيفية ومختلف فضاءات الاصطياف، في وقت تعرف فيه الأسعار مستويات متصاعدة تتجاوز في كثير من الأحيان القدرة الشرائية لفئات واسعة من المواطنين.
وتواجه الأسر المغربية اليوم معادلة صعبة تجمع بين مصاريف النقل والإقامة والأنشطة الترفيهية وتكاليف التغذية خارج المنزل، فضلا عن النفقات المرتبطة بتسجيل الأطفال في المخيمات الصيفية أو الدورات التكوينية والأنشطة الموسمية التي أصبحت تشكل جزءا من متطلبات العطلة لدى عدد متزايد من العائلات.
ولا تتوقف الأعباء عند حدود التنقل والاصطياف، إذ تواكبها زيادة ملحوظة في استهلاك الكهرباء والماء داخل المنازل بسبب الاعتماد المكثف على أجهزة التبريد والتكييف والمراوح، ما ينعكس مباشرة على قيمة الفواتير الشهرية، خاصة في المدن التي تسجل مستويات حرارة مرتفعة لفترات طويلة.
ويرى متابعون للشأن الاقتصادي أن الطبقة الوسطى تبدو الأكثر تأثرا بهذه التحولات، لأنها لا تستفيد من برامج الدعم الاجتماعي الموجهة للفئات الهشة بالقدر الكافي، وفي الوقت نفسه تجد نفسها أمام التزامات مالية متزايدة للحفاظ على مستوى معيشة مقبول لأفراد الأسرة خلال فصل الصيف.
كما ساهمت موجة الحر في تنشيط قطاعات اقتصادية مرتبطة بالسياحة الموسمية والكراء والنقل والخدمات الترفيهية، غير أن هذا الانتعاش رافقه ارتفاع ملحوظ في الأسعار ببعض الوجهات السياحية، ما جعل قضاء عطلة عائلية بسيطة يتطلب ميزانية أكبر مقارنة بالسنوات الماضية.
وتشير معطيات ميدانية إلى أن عددا من الأسر أصبح يلجأ إلى حلول بديلة أقل تكلفة، مثل الرحلات القصيرة أو تقليص مدة الاصطياف أو الاكتفاء بالتنقل اليومي نحو الشواطئ القريبة، في محاولة للتوفيق بين الحاجة إلى مواجهة آثار الحرارة المرتفعة والحفاظ على التوازن المالي للأسرة.
وفي ظل توقعات باستمرار موجات الحر خلال السنوات المقبلة بفعل التغيرات المناخية، يطرح هذا الواقع أسئلة متزايدة حول قدرة الأسر المغربية على تحمل الأعباء الإضافية التي يفرضها الصيف، وحول الحاجة إلى سياسات عمومية أكثر فاعلية تراعي الآثار الاقتصادية والاجتماعية للتحولات المناخية المتسارعة، خاصة بالنسبة إلى الطبقة الوسطى التي أصبحت تواجه ضغوطا متزايدة من جهات متعددة في آن واحد.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك