أخنوش في فخ خروف العيد وحكومة السوق الحر ترتبك أمام جشع المضاربين ومجلس المنافسة يضعها أمام امتحان التسقيف

أخنوش في فخ خروف العيد وحكومة السوق الحر ترتبك أمام جشع المضاربين ومجلس المنافسة يضعها أمام امتحان التسقيف
تقارير / السبت 23 ماي 2026 / لا توجد تعليقات:

أنتلجنسيا:لبنى مطرفي

وسط غضب اجتماعي متصاعد بسبب الأسعار الملتهبة للأضاحي، وجد رئيس الحكومة عزيز أخنوش نفسه في قلب معادلة سياسية واقتصادية معقدة، بعدما اضطر إلى إطلاق إجراءات استثنائية لتنظيم أسواق الماشية قبل عيد الأضحى 1447/2026، في خطوة بدت للكثيرين اعترافاً ضمنياً بفشل منطق “السوق يضبط نفسه” الذي دافعت عنه الحكومة طويلاً، قبل أن يأتي رأي مجلس المنافسة ليقلب الطاولة ويفتح الباب أمام سيناريو أكثر إحراجاً: تسقيف الأسعار.

ففي وقت كان المغاربة يترقبون عيد الأضحى وسط أسعار وُصفت بـ“الملتهبة”، أصدر رئيس الحكومة يوم 18 ماي 2026 قراراً استعجالياً يقضي بفرض تدابير مؤقتة على أسواق بيع الماشية، تحت شعار محاربة الشناقة والمضاربين وضمان شفافية المعاملات وحماية القدرة الشرائية. غير أن ما بدا محاولة لامتصاص غضب الشارع سرعان ما تحول إلى ملف سياسي شائك، بعدما كشف رأي مجلس المنافسة الصادر يوم 22 ماي عن تناقض واضح في الخطاب الحكومي تجاه السوق.

المفارقة الكبرى أن أخنوش، الذي ظل يرفض التدخل المباشر في تحديد الأسعار داخل البرلمان وخلال خرجات حزبية متكررة، كان يدافع سابقاً عن منطق العرض والطلب ويدعو الكسابة إلى عرض مواشيهم بشكل تدريجي لتفادي انهيار الأسعار، مع رفض واضح لأي تسقيف أو تدخل إداري في سوق الأغنام. بل إن قيادات من حزبه كانت تعتبر أن السوق كفيلة وحدها بإعادة التوازن دون الحاجة إلى قرارات فوقية.

لكن التطورات الأخيرة دفعت الحكومة إلى تبني مقاربة مغايرة تماماً، بعدما تم حصر بيع الماشية في أسواق مرخصة، ومنع إعادة شراء الأضاحي داخل السوق لأغراض المضاربة، وتشديد الرقابة على التخزين غير المشروع، مع فرض التصريح المسبق للبائعين وتشديد العقوبات على المخالفين. وهي إجراءات اعتبرها مراقبون تحولاً جذرياً من خطاب “دعه يعمل” إلى منطق التدخل المباشر لإنقاذ سوق خرج عن السيطرة.

غير أن الضربة السياسية الحقيقية جاءت من مجلس المنافسة نفسه، الذي لم يكتف بالموافقة على التدابير الحكومية المؤقتة إلى غاية 3 يونيو 2026، بل ذهب أبعد من ذلك حين اعتبر أن الارتفاع الصاروخي للأسعار لا يرتبط فقط بضغط الطلب الموسمي، بل تغذيه ممارسات تمسّ قواعد المنافسة، من قبيل المضاربة وخلق ندرة مصطنعة والتخزين غير القانوني.

الأكثر إحراجاً أن المجلس، استناداً إلى قانون حرية الأسعار والمنافسة، فتح الباب صراحة أمام إمكانية تسقيف أسعار الأضاحي بالكيلوغرام إذا رأت الحكومة ضرورة لذلك، ما وضع أخنوش أمام امتحان سياسي غير مسبوق: إما التراجع عن قناعاته الليبرالية والتدخل المباشر في السوق، أو الاكتفاء بإجراءات يعتبرها كثيرون غير كافية أمام نفوذ المضاربين الكبار.

وبات رئيس الحكومة محاصراً من كل الجهات؛ فمن جهة، يواجه ضغطاً شعبياً هائلاً بسبب أثمنة تجاوزت في المتوسط 4500 درهم للأضحية، في مستويات أعادت إلى الأذهان سنوات الخصاص الحاد، ومن جهة أخرى، يجد نفسه أمام رأي مؤسسة رسمية مستقلة يحمّله عملياً مسؤولية الذهاب أبعد من مجرد التنظيم الإداري إذا استمرت الأسعار في الاشتعال.

وفي الخلفية، يلوح تحدٍ سياسي أكبر يتعلق بصورة أخنوش نفسه. فإذا أقدم على تسقيف الأسعار، سيتهم بالتراجع عن شعارات الليبرالية الاقتصادية التي رفعها لسنوات، وإذا رفض، فسيجد نفسه في مرمى الانتقادات باعتباره اكتفى بحلول تجميلية لم تمسّ كبار المضاربين الحقيقيين.

ولم يتوقف مجلس المنافسة عند حدود رأيه الظرفي، بل أعلن فتح تحقيق شامل في قطاع الماشية واللحوم الحمراء سيصدر مطلع سنة 2027، في إشارة إلى أن ملف “خروف العيد” لن ينتهي بانتهاء المناسبة، بل قد يتحول إلى قنبلة سياسية واقتصادية تكشف أعطاب قطاع ظل، وفق توصيف رئيس المجلس أحمد رحو، غير مهيكل وتغيب عنه الشفافية.

وبين الشارع الغاضب وخيارات السوق المعقدة، يقف أخنوش اليوم أمام اختبار حساس قد يعيد رسم صورته السياسية بالكامل: هل سينحاز للمواطن ويكسر “تابو” السوق الحر عبر التسقيف، أم يواصل الرهان على حلول يراها كثيرون عاجزة عن كبح جشع الشناقة؟ الأيام القليلة المقبلة وحدها ستكشف إن كانت ليبرالية الحكومة مبدأ ثابتاً… أم مجرد شعار يتغير حسب اتجاه الريح.

لا توجد تعليقات:

للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.

أضف تعليقك