أنتلجنسيا:أبو آلاء
أماطت دراسة حديثة اللثام عن صورة مقلقة لاستعمال المبيدات، حيث يتعامل آلاف الفلاحين مع مواد شديدة الخطورة في ظل جهل واسع بأساسياتها، رغم إدراكهم العام بأنها قد تكون قاتلة للإنسان والبيئة معاً، وهو تناقض خطير يعكس عمق الأزمة التي تتخبط فيها منظومة السلامة داخل القطاع الفلاحي.
المعطيات الميدانية، التي شملت مئات العمال الزراعيين عبر مناطق متعددة، أظهرت أن الغالبية لا تستطيع حتى تحديد طبيعة المواد التي تستخدمها يومياً، ما يعكس هشاشة مقلقة في المعرفة التقنية، مقابل نسبة ضعيفة فقط تمتلك فهماً مقبولاً لقواعد الوقاية، وهو ما يفتح الباب أمام ممارسات عشوائية قد تكون عواقبها كارثية على الصحة العامة.
ورغم هذا القصور المعرفي، فإن الوعي العام بخطورة هذه المواد حاضر نسبياً، غير أنه يظل غير كافٍ لتغيير السلوك بشكل فعلي، حيث يستمر العديد من الفلاحين في استخدام المبيدات بطرق لا تحترم شروط السلامة، ما يكشف أن المشكلة أعمق من مجرد نقص في المعلومات، وترتبط أساساً بنظرة العاملين أنفسهم إلى مخاطر هذه المواد ومدى استعدادهم لتفاديها.
الدراسة أبرزت أن العامل الحاسم في تبني السلوك الآمن ليس المعرفة، بل القناعة الداخلية بأهمية الوقاية، إذ تبين أن الفلاحين الذين يمتلكون مواقف إيجابية تجاه السلامة هم الأكثر التزاماً بالإجراءات الوقائية، بينما يظل إدراك المخاطر الصحية عاملاً ثانوياً نسبياً، ما يعني أن الخطر لا يُواجه فقط بالتوعية، بل بتغيير العقليات.
الواقع الاجتماعي والتعليمي يلعب بدوره دوراً محورياً في تعميق الأزمة، حيث أن نسبة كبيرة من العاملين تعاني من الأمية أو ضعف التحصيل الدراسي، إضافة إلى غياب التكوين المهني لدى أكثر من نصفهم، وهو ما يجعلهم عرضة للاستعمال الخاطئ لهذه المواد دون إدراك حقيقي لتداعياتها.
وعلى مستوى الممارسة اليومية، تتأرجح سلوكيات السلامة بين الالتزام النسبي والإهمال، مع تسجيل مفارقة واضحة بين ما يصرح به الفلاحون وما يحدث فعلياً في الحقول، خصوصاً فيما يتعلق بكيفية التخلص من بقايا المبيدات وتخزينها، حيث يتم في كثير من الحالات الاحتفاظ بها في أماكن قريبة من المنازل، بما يشكل خطراً مباشراً على الأسر.
الأخطر من ذلك، هو استمرار استخدام مواد مصنفة دولياً ضمن الفئات عالية السمية، وبعضها محظور في دول أخرى، لكنها لا تزال تجد طريقها إلى السوق المحلية، سواء عبر قنوات قانونية أو عبر سوق موازية يصعب ضبطها، ما يزيد من تعقيد المشهد الصحي والبيئي.
وفي جانب آخر، كشفت النتائج أن الفلاحين يقللون من خطورة التأثيرات النفسية لهذه المواد، مثل القلق واضطرابات النوم، في حين يركزون أكثر على تأثيرها على جودة الغذاء، ما يعكس وعياً موجهاً نحو المستهلك أكثر من الذات، وهو خلل إضافي في إدراك المخاطر.
التحليل الإحصائي أكد أن التعليم يظل المفتاح الأساسي لفهم المخاطر وتبني سلوكيات آمنة، غير أن التكوين وحده لا يكفي، إذ تبقى الفجوة قائمة بين المعرفة النظرية والتطبيق العملي، ما يطرح تساؤلات حقيقية حول فعالية البرامج الحالية.
كما كشفت الدراسة عن ظاهرة مقلقة تتمثل في “التعايش مع الخطر”، حيث يؤدي التعرض الطويل للمبيدات إلى نوع من التبلد تجاه مخاطرها، خاصة لدى الفلاحين الأكبر سناً، بينما لم تنجح سنوات الخبرة في تعزيز الوعي بشكل كافٍ، بل أحياناً ساهمت في ترسيخ ممارسات غير آمنة.
ورغم هذا الوضع القاتم، أظهرت النتائج بارقة أمل من خلال استعداد واسع لدى الفلاحين للانخراط في برامج مراقبة صحية تهدف إلى قياس تأثير المبيدات على أجسامهم، وهو ما يمكن أن يشكل مدخلاً لإصلاح تدريجي إذا ما تم استثماره بشكل صحيح.
المعطيات العامة تكشف أن المغرب من بين كبار مستهلكي المبيدات في إفريقيا، في ظل اعتماد اقتصادي كبير على الفلاحة، ما يجعل أي خلل في هذا المجال تهديداً مباشراً للصحة العامة والاستقرار الاجتماعي، خاصة مع تسجيل آلاف حالات التسمم سنوياً، ووجود سوق سوداء تغذي الاستعمال غير المنظم.
أمام هذه الأرقام الصادمة، تبدو الحاجة ملحّة لإعادة صياغة السياسات العمومية بشكل جذري، عبر اعتماد مقاربة شمولية لا تكتفي بالتوعية، بل تستهدف تغيير السلوك، وتوفير بدائل آمنة، وتعزيز الرقابة، ودعم البحث العلمي، بما يضمن حماية الإنسان والبيئة، ويضع حداً لنزيف صامت يجري في قلب الحقول المغربية.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك