تشخيص أعطاب السياسة الحزبية في المغرب

تشخيص أعطاب السياسة الحزبية في المغرب
تقارير / الخميس 05 فبراير 2026 / لا توجد تعليقات:

أنتلجنسيا:عبد الفتاح الحيداوي

مقدمة

تجمع مختلف الدراسات السياسية على أن الأحزاب المغربية تعيش أزمة بنيوية عميقة، انعكست على أدائها السياسي وعلاقتها بالمجتمع. هذه الأزمة ليست طارئة، بل هي نتاج تراكمات تاريخية وسياسية ارتبطت بمسار الانتقال الديمقراطي المتعثر في المغرب، وطبيعة العلاقة الملتبسة بين السلطة والمجتمع. يهدف هذا المقال إلى تشخيص أبرز أعطاب السياسة الحزبية في المغرب، وتحليل تداعياتها على المسار الديمقراطي، واقتراح مداخل للإصلاح تهدف إلى إعادة بناء الثقة بين الأحزاب والمواطنين.

المبحث الأول:المظاهر البنيوية والوظيفية للأزمة الحزبية

تتجلى الأزمة التي تعيشها الأحزاب المغربية في عدة مظاهر بنيوية ووظيفية، يمكن إيجازها في النقاط التالية:

1. ضعف الاستقلالية والتبعية:

لم تعد غالبية الأحزاب مؤسسات سياسية قائمة على التنافس الحر، بل تحولت إلى كيانات خاضعة للسلطة أو مندمجة في أجهزتها. هذا الوضع أفقدها استقلاليتها في اتخاذ القرار، وجعل العديد من قراراتها الحزبية تتخذ بتأثير مباشر من مراكز النفوذ. وقد أفرغت هذه التبعية العمل الحزبي من مضمونه، وحولته إلى مجرد أداة انتخابية موسمية، مما أثر سلبا على مصداقية الأحزاب كوسيط بين الدولة والمجتمع.

2. هيمنة الريع السياسي:

أصبح العمل الحزبي في المغرب مدخلا للامتيازات بالنسبة لشريحة واسعة من السياسيين، سواء في شكل مناصب وزارية أو برلمانية أو صفقات عمومية. هذا الدافع الريعي يجعل العديد من المرشحين ينظرون إلى الحزب كجسر للوصول إلى النفوذ والثروة، بدلا من أن يكون وسيلة لخدمة المواطنين وتنفيذ برامج تنموية. وبذلك، أصبحت الأحزاب جزءا من منظومة الريع بدلا من أن تكون قوة لمقاومتها.

3. غياب الديمقراطية الداخلية وتكلس الزعامات:

يعد غياب التداول الحقيقي على القيادة من أبرز مظاهر الأزمة الحزبية. فالزعامات غالبا ما تكون متكلسة، والمؤتمرات الحزبية لا تعدو كونها مناسبات شكلية لتزكية القيادة القائمة. كما يعاني الشباب والنساء، وهما رافعتان أساسيتان لتجديد النخب، من التهميش داخل الهياكل الحزبية، إما بسبب سيطرة الأجيال القديمة أو بمنطق الولاءات الشخصية والعائلية. هذه البنية الجامدة تعيق إنتاج نخب حزبية جديدة قادرة على التفاعل مع تحولات المجتمع.

4. ضعف الثقافة السياسية وهيمنة الوجاهة الاجتماعية:

لا يزال منطق العائلة والقبيلة والوجاهة الاجتماعية يهيمن على العمل السياسي والترشح، مما يفرغ العملية الديمقراطية من مضمونها. فبدلا من أن تكون الكفاءة والبرنامج السياسي هما المحددان الرئيسيان لاختيار المرشحين، نجد أن الاعتبارات الاجتماعية والرمزية هي الطاغية. هذا الوضع يعمق أزمة الثقة بين المواطن والحزب، حيث يرى الناخب في الحزب مجرد واجهة انتخابية تفتقر إلى الرؤية الحقيقية.

5. اختلال وظيفة المؤسسات المنتخبة:

تحولت المجالس المحلية والبرلمان، في نظر العديد من المواطنين، إلى فضاءات لتبادل المنافع والصفقات السياسية، بدلا من أن تكون مؤسسات لصنع السياسات العامة والتشريع. فالبرلماني أو المستشار المحلي ينظر إليه كـ وسيط لقضاء المصالح الخاصة أكثر منه 

ممثلا للمواطنين في الدفاع عن قضاياهم الكبرى. هذا التحول ضرب عمق وظيفة المؤسسات المنتخبة، وأدى إلى مزيد من العزوف الشعبي عن المشاركة السياسية.

المبحث الثاني:الآثار الارتدادية للأزمة على المسار الديمقراطي

إن فشل الأحزاب المغربية في القيام بأدوارها الأساسية لا يمس المشهد السياسي فحسب، بل يمتد ليطال المجتمع برمته ويؤثر في مسار التحول الديمقراطي ككل. وتتجلى هذه النتائج العميقة في:

1. إعادة إنتاج الفساد:

يعتبر إعادة إنتاج الفساد من أبرز تداعيات الأزمة الحزبية. فغالبا ما نجد أن الأسماء ذاتها المرتبطة بسوء التدبير أو المحسوبية أو غياب الكفاءة تعود لتصدر المشهد الانتخابي في كل دورة جديدة. هذا يعكس خللا بنيويا يجعل الانتخابات مجرد عملية شكلية لا تؤدي إلى تجديد النخب، بل إلى إعادة تدوير نفس الوجوه، مما يحرم المجتمع من دماء جديدة وأفكار مبتكرة.

2. عزوف المواطنين عن المشاركة السياسية:

عندما يدرك المواطن أن المشاركة السياسية لا تحدث فرقا حقيقيا، وأن التصويت لا يغير واقعه المعيشي ولا يقطع مع الفساد، فإنه يفقد الدافع للمشاركة. هذا العزوف يؤدي إلى ضعف نسب التصويت، ويكرس هيمنة أقلية منظمة تستفيد من الوضع القائم، بينما تبقى الأغلبية في موقع المتفرج السلبي.

3. تشويه صورة السياسة:

أصبحت السياسة في نظر الكثيرين مرادفا للصراع على المناصب والامتيازات، بدلا من أن تكون مجالا للتنافس حول الأفكار والبدائل والبرامج. هذا التشويه يساهم في إضعاف الثقة العامة، ويجعل السياسيين في مرمى الاتهام الشعبي، ويحبط أي محاولة لإعادة الاعتبار للعمل الحزبي.

4. إضعاف المشروع الديمقراطي:

تضطلع الأحزاب القوية والفاعلة بدور الوسيط بين الدولة والمجتمع، فتنقل هموم الناس وتدافع عن مصالحهم وتؤطر المواطنين في إطار مؤسساتي سلمي. لكن في غياب هذه الوساطة، يظل المواطنون في حالة قطيعة مع الدولة، مما يفتح الباب أمام أشكال أخرى من التعبير قد تكون احتجاجية وغير مؤطرة، وأحيانا خارج الشرعية المؤسساتية. تكشف هذه النتائج أن أزمة الأحزاب ليست أزمة تنظيم داخلي فحسب، بل هي أزمة مشروع سياسي وديمقراطي بأكمله. فبدون أحزاب قادرة على تجديد نفسها وبث الثقة في نفوس المواطنين، سيظل الحديث عن ديمقراطية فعلية مجرد شعارات فضفاضة لا تنعكس على واقع الناس ولا على مستقبل البلاد.

المبحث الثالث:مداخل الإصلاح والتحول نحو ممارسة حزبية بديلة

إن الوضع الراهن ليس قدرا محتوما، بل يمكن تغييره عبر شروط صعبة تتداخل فيها الإصلاحات القانونية والمؤسساتية مع التحولات الثقافية والمجتمعية. ويمكن تحديد أبرز مداخل الإصلاح في:

1. إصلاح قانون الأحزاب وآليات تمويلها:

لا يمكن الحديث عن تغيير جذري دون إعادة النظر في الإطار القانوني المنظم للحياة الحزبية. فمن المطلوب ربط التمويل العمومي بمؤشرات حقيقية للديمقراطية الداخلية والشفافية، مثل انتظام المؤتمرات، واليات اختيار القيادات، ومراجعة الحسابات المالية بشكل دوري. كما ينبغي توجيه جزء من الدعم لبرامج التكوين السياسي وإشراك الشباب والنساء، بدلا من أن يستهلك في الحملات الانتخابية وحدها. بهذا الشكل، يتحول المال العمومي من غاية إلى وسيلة لتقوية المؤسسات الحزبية.

2. محاربة الريع السياسي وتقليص الامتيازات:

محاربة الريع السياسي وتقليص الامتيازات من أبرز المعضلات في السياسة المغربية. فالترشح للمجالس المحلية أو البرلمان أصبح في أذهان الكثيرين طريقا للامتيازات: شبكات مصالح، حصانة، رواتب مرتفعة. يمر إصلاح هذا الوضع عبر تقليص تلك الامتيازات وربطها بالأداء الفعلي، بحيث يحاسب المنتخبون على مردوديتهم في خدمة المواطنين. كما أن رقمنة الصفقات العمومية على المستوى المحلي وربطها بمؤشرات شفافية قابلة للتتبع سيقطع الطريق على شبكات الزبونية التي تفسد اللعبة السياسية.

3. تجديد الخطاب السياسي للأحزاب:

لم يعد الخطاب السياسي للأحزاب يقنع المواطنين، لأنه ظل حبيس الشعارات العامة. المطلوب هو الانتقال إلى خطاب برنامجي واضح، قائم على حلول ملموسة لقضايا البطالة، والصحة، والتعليم، والعدالة الاجتماعية. إن صياغة برامج مفصلة بخطط زمنية وأرقام ومؤشرات قياس ستعيد الثقة وتمنح الناخب فرصة لتقييم الأحزاب على أساس النتائج لا الأقوال. وهذا يتطلب أيضا تكوين قيادات في تقنيات التواصل السياسي المبني على الأدلة بدلا من الاكتفاء بالشعارات الإنشائية.

4. الانفتاح على الشباب:

لا معنى لتجديد النخب إذا لم يفتح المجال أمام الأجيال الجديدة. فالشباب المغربي، الذي يشكل الأغلبية الديموغرافية، يجد نفسه بعيدا عن الأحزاب لأنها تبدو مؤسسات مغلقة تتحكم فيها نفس الوجوه منذ عقود. الإصلاح الحقيقي يقتضي تخصيص حصص للشباب في القوائم الانتخابية والهيئات القيادية، وإطلاق برامج للتكوين السياسي داخل الأحزاب، وربط جزء من التمويل العمومي بمدى انخراطها في تمكين الأجيال الجديدة. حينها فقط سيشعر الشباب أن السياسة تخاطبهم وتتيح لهم دورا في صناعة القرار.

5. توسيع فضاء الحريات كشرط ممكن:

حتى لو أصلحت الأحزاب نفسها من الداخل، فإن أي تطور سيظل محدودا ما لم يفتح المجال أمام المجتمع المدني والإعلام والنقابات للقيام بدورها في الرقابة والضغط. تؤكد تجارب العالم أن الديمقراطيات لا تتقوى إلا بفضاء مدني حر يوعي ويفرض المحاسبة على الاختلالات. لذلك، فإن توسيع حرية التنظيم والتعبير والإعلام شرط أساسي لتطور الأحزاب، لأنه يحفزها على التجديد ويمنعها من الانغلاق.

6. دور الضغط المجتمعي في فرض الإصلاح:

تبين التجارب التاريخية أن الأحزاب نادرا ما تصلح نفسها من الداخل تلقائيا. فالتغيير غالبا ما يأتي نتيجة لضغط الشارع، والنخب المثقفة، والإعلام، والنقابات. إن بناء رأي عام واعٍ يطالب بالشفافية والبرامج الواقعية ويحاسب الأحزاب في الانتخابات هو العامل الحاسم في أي مسار إصلاحي. فبدون هذا الضغط، ستبقى الأحزاب أسيرة لمصالحها الداخلية.

خاتمة

إن التغيير في المغرب ممكن، لكنه ليس سريعا ولا تلقائيا. إنه يحتاج إلى إرادة سياسية جادة من داخل الأحزاب والدولة، وإلى ضغط مجتمعي مستمر من القاعدة. الشرط الجوهري هو الانتقال من منطق الامتيازات إلى منطق الخدمة العامة، ومن الشعارات إلى البرامج، ومن الانغلاق إلى الانفتاح على الشباب والمجتمع المدني. عندها فقط يمكن للأحزاب أن تتحول من مؤسسات هشة إلى أدوات حقيقية لبناء الديمقراطية وتعزيز ثقة المواطنين في السياسة.

لا توجد تعليقات:

للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.

أضف تعليقك