بقلم:علي مزيان
سألت مرة الصحافية العنص..رية الإيطالية فلاتشي الرئيس الصيني عن ماو ، أرادت توريطه بسؤال يمنحها جوابا معاديا لماو ، لكن الرئيس الصيني أجابها جوابا يهمنا كعرب ، قال الرئيس الصيني أن ماو هو مامنع الصين اليوم من الحفر العشوائي في الظلام .
لطالما بهرنا في الجغرافية العربية بنجاح الشعب الصيني ، ميكانيكيا يربط ذلك بحزب شيوعي قاد حرب الشعب ، لكن دون تساؤل لكيفية حدوث ذلك ، وماهي الشروط التي سهلت تصيين الماركسية ، بل ما هي الشروط التي مهدت لظهور حزب شيوعي في الصين .
هناك قراءتان عربيتان من المغرب تختلفان عن الباقي ، تقريبا ، في قراءة نموذج الصين بقيادة ماو ، الأولى لعلال الأزهر في كتابه الماركسون في المغرب وفي جزءه الثاني ، الثانية لموليم العروسي الذي نقلها في حوارته عدة مرات :
كتب علال الأزهر أن تمثل الفكر الغربي الديموقراطي كفكر للتحديث والنهضة في مجتمع متأخر تتربص به القوى الإمبريالية هو الأساس الذي بنى عليه ماو ثورته . هناك حادثين بارزين في تاريخ الصين ، 1911 ولاسيما 1919 ، وهما تاريخين يذكرها ماو تسي تونغ في كتاباته ، خاصة حركة الشبيبة في 4 ماي 1919 . يقول عن حركة الشبيبة : أن حركة 4 ماي قد عبرت من ناحيتي الأيديولوجيا والكوادر ، الطريق لتأسيس الحزب الشيوعي 1921 . فما جعل ماو يعطي تقديرا لهذه الحركة ،حركة 4 ماي 1919 ، هي كونها كانت تمثل ببساطة عصر أنوار صيني دون وجود برجوازية عصر الأنوار ، فحركة التحديث تلك قد أعلنت الحرب على الفكر التقليدي (الكونفشيوسية) ثم طالت كل ما يرتبط بهذا الفكر التقليدي ابتداء باللغة الصينية . لقد كانت أهم الشعارات التي رفعتها حركة 4 ماي موجهة ضد الفكر التقليدي : "لتسقط دكانة الكونفشيوسية" . وعلى نفس المنهج صارت حركة تحديث البنية الأيديولوجية للمجتمع الفيتنامي متأثرة بالتطور الصيني المذكور . فلا يمكن أن نسمي هذا الفكر الذي تبنته النخبة الصينية والفيتنامية إلا فكرا ليبراليا غربيا ولا يمكن أن نسميه شيئا آخر . من هنا ، وانطلاقا من هذه التجارب الامبريقية ، يبدو لينين محقا عندما قال : أننا ميالون إلى التشرب بهذا الشعور إلى أولئك الذين يذهبون في الكلام كثيرا جدا وسهولة فائقة حول الثقافة البروليتارية مثلا ، ولكن حسبنا في البداية أن تكون لنا ثقافة برجوازية حقيقية ، حسبنا في البداية أن نعرف كيف نستغني عن النماذج الغليظة الفظة جدا من الثقافات ما قبل البرجوازية . وقد قال لينين هذا بعد الثورة البلشفية بعدة سنين وفي مجتمع كانت نخبته ذات صيت عالمي .
أما موليم العروسي فقد تأثر بكتاب «النجم الأحمر فوق الصين» للصحافي الأمريكي إدغار سنو كما يقول ، والذي جمع فيه كل ملاحظاته عندما رافق ماو تسي تونغ في جزء مهم من مسيرته الحمراء. والذي لاحظ من خلاله أن الزعيم الشيوعي الصيني لم يفكر في احتلال العاصمة بيكين، ولم يقم بانقلاب على السلطة المركزية، على الرغم من أنه كان يستطيع ذلك. لم يقم بكل هذا كما فعل لينين، وكما فعل عدد كبير من الذين قاموا بالثورات؛ بل أصر على المسيرة لسنوات عبر كل أرجاء الصين. فهم موليم العروسي من قراءته للكتاب أن ماو كان يريد للثورة أن تمر عبر الأجساد؛ أجساد الناس بمعنى أنه كان يريد أن يحس الناس أنهم أنجزوا الثورة هم أنفسهم بسواعدهم، ولم تفرض عليهم من الخارج أو من الفوق (راجع حواره على منصة معنى) .
مكنت هذه الثورة الثقافية من دخول الصين للإقتصاد العالمي دون حاجز ثقافوي ، ودون حفر عشوائي في الظلام كما نخوضه اليوم ، عندما فتحت أمريكا أبوابها للصين اقتصاديا كانت مهيأة لهذا التحول الإقتصادي دون عقبات ثقافية ، هناك نكتة تقول :
«كان دنغ هسياوبنغ جالسا في سيارته يطالع صحيفة عندما قاطعه السائق قائلا: يا رفيق،ثمة مشكلة .تقول الإشارة الاتجاه يسارا إلى الشيوعية ،والاتجاه يمينا إلى الرأسمالية ،أي الاتجاهين أتبع؟ أجاب السيد دنغ: لا مشكلة على الإطلاق، أعط إشارة إلى اليسار واتجه يمينا»
هنذه النكتة الهندية تنقلها إلينا روبين ميريديث في كتابها الفيل والتنين: صعود الهند والصين ودلالة ذلك لنا جميعا ، لتشير لاشتباك الاقتصاد الصيني بالنظام العالمي على العكس مما يدعي بعض بني جلدتنا . فقد أصبحت ومنذ سنوات الصين بالنسبة إلى الولايات المتحدة بمثابة حيها الصناعي ، حيث العمالة الرخيصة والجودة المشروطة وفق المعايير الأمريكية، فعندما تتجول في الأسواق الأمريكية لا تجد سوى علامة «صنع في الصين» ولا يبدو في القريب أن يتغير هذا الواقع، فأهم الاستثمارات الخارجية في الصين هي استثمارات أمريكية ، حيث تجاوز الدعم الأمريكي للصين دعمها لألمانيا من خلال مشروع شاخت ، تدفقت نحو الصين 600 مليار دولار منذ انفتاحها من الشركات الأجنبية ، هذا الرقم مقارنة بمشروع شاخت يعتبر أضخم بعشرات المرات -هذا الرقم إلى حدود كتابة الكتاب أما اليوم فقد تضاعف كثيرا- .
في نقاش لنا مع الأستاذ الصيني_الأسترالي موبو غاو صاحب كتاب "بناء الصين: رؤى متضاربة حول الجمهورية الشعبية" ، أشار هذا الأخير إلى أنه من المستحيل أن تقف الصين مع الدول العربية ودول العالم الثالث في مواجهة النظام العالمي ، لأنها تحاول أن تكون جزءا منه . لذلك تبدو الحرب بين الهند والصين معقولة ، بينما من المستحيل وقوعها بين الصين والولايات المتحدة الأمريكية ، هذه الأخيرة لو منحت للاتحاد السوفياتي أسواقها كما فعلت مع الصين لبقي الاتحاد السوفياتي مستمرا إلى اليوم لأن الشرط الثقافي لهذا الأخير كان متوفرا كما فعلت الصين . هذه كانت قصة الصين منذ ثورة ماو إلى لحظة انفتاحها على العالم بدعم أمريكي ، يجب أن نتذكر أن الإنسحاب الأمريكي من فييتنام لم يكن ليحدث لولا الغطاء الصيني ، وفي أفغانستان هددت السوفيات الصين باستعمال السلاح النووي ضدها لأنها دعمت الحلف الأمريكي مع الأفغان ضدها ، وبعيدا عن القراءات الإختزالية التي عادة ماتكون نضالية أو متأثرة ببروباغاندا غربية عن الصين.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك